إسرائيل وإيران: من حرب الظل إلى المواجهة العلنية – قراءة في تاريخ الصراع وأحداث "ليلة أسد النهوض
كلمة لابد منها :
منذ عقود والصراع بين إيران وإسرائيل يتخذ شكل حرب خفية تدور في الظلال: اغتيالات، هجمات سيبرانية، عمليات استخباراتية، وضربات محدودة عبر وكلاء. لكن ما حدث في ليلة 13 يونيو 2025 غيّر المشهد كليًا، حيث شنت إسرائيل هجومًا عسكريًا مباشرًا وواسع النطاق على أهداف إيرانية داخل العمق الإيراني، موقعةً عشرات القتلى بينهم قادة عسكريون كبار، ما يُنذر بتطور غير مسبوق في تاريخ العلاقة المتوترة بين البلدين. هذا المقال يقدم قراءة تحليلية لتاريخ هذا الصراع المتصاعد، مستشرفًا تداعيات عملية "أسد النهوض" التي قد تعيد رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط.
الجذور: منذ الثورة الإيرانية حتى اليوم
بدأت العداوة السياسية والأمنية بين إيران وإسرائيل بعد الثورة الإسلامية عام 1979، عندما تحولت إيران من حليف استراتيجي لإسرائيل تحت حكم الشاه، إلى دولة تعادي "الكيان الصهيوني" وتدعو إلى زواله. هذا التبدل جعل من الصراع الأيديولوجي محورًا للسياسات الإيرانية الخارجية، خاصة بدعمها لحركات المقاومة مثل "حزب الله" في لبنان و"حماس" في غزة، وتوسيع نفوذها عبر "محور المقاومة" في العراق وسوريا واليمن. إسرائيل، من جانبها، اعتبرت المشروع النووي الإيراني وتمدد النفوذ الإقليمي الإيراني تهديدًا وجوديًا لأمنها القومي.
حرب الظل: اغتيالات وهجمات سيبرانية
خلال العقدين الماضيين، نشطت حرب الظل بين الطرفين، مستخدمين فيها كافة أدوات الصراع غير المباشر:
* 2009–2011: عمليات اغتيال لعلماء نوويين إيرانيين مثل مسعود علي محمدي وفريدون عباسي، في محاولة لعرقلة البرنامج النووي.
* 2010: إطلاق فيروس Stuxnet الذي عطّل أجهزة الطرد المركزي في منشأة "نطنز" الايرانية ، مما كشف عن القدرات السيبرانية الهجومية الإسرائيلية والأمريكية.
* 2018: إعلان إسرائيل سرقة الأرشيف النووي الإيراني من قلب طهران، في عملية استخباراتية معقدة أظهرت اختراقًا أمنيًا كبيرًا لإيران.
* 2020: اغتيال العالم النووي البارز "محسن فخري زاده" في عملية دقيقة قيل إنها نفذت بواسطة روبوت آلي مدعوم بالأقمار الصناعية، مما أثار غضبًا إيرانيًا واسعًا ووعدًا بالانتقام.
في المقابل، دعمت إيران هجمات على سفن إسرائيلية في الخليج والبحر الأحمر، وشنّت هجمات سيبرانية متفرقة على بنى تحتية إسرائيلية، وفعّلت جماعاتها المسلحة في سوريا ولبنان واليمن لشن هجمات غير مباشرة على إسرائيل، بما في ذلك إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة من هذه الجبهات.
من حرب الظل إلى نار الحقيقة: تصعيدات 2024
شهد عام 2024 انتقال الصراع إلى مستوى جديد من المواجهة المباشرة وغير المسبوقة، مما مهد الطريق لأحداث عام 2025:
* 1 أبريل 2024: إسرائيل تقصف مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، ما أدى إلى مقتل كبار قادة الحرس الثوري، بما في ذلك اللواء محمد رضا زاهدي، وهو ما اعتبرته إيران تجاوزًا لـ "الخطوط الحمراء".
* 13 أبريل 2024: إيران ترد بهجوم هو الأول من نوعه على الأراضي الإسرائيلية، يتضمن أكثر من 300 طائرة مسيرة وصاروخ، أُسقط أغلبها بنجاح باهر بفضل الدفاعات الجوية الإسرائيلية والدعم الدولي من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن.
* نهاية أبريل 2024: إسرائيل تنفذ غارات محدودة على مواقع نووية في أصفهان ومنشآت عسكرية في تبريز وكرمانشاه، كرد "متحكم فيه"، لكن الرد الإيراني كان محدودًا أيضًا، مما حافظ على حالة "عدم التصعيد" النسبي بعد التبادل المباشر.
ليلة 13 يونيو 2025: عملية "أسد النهوض" – كسر قواعد الاشتباك
في تطور درامي وصف بأنه الأخطر منذ بداية الصراع، شنت إسرائيل فجر 13 يونيو 2025، عملية عسكرية موسعة سُمّيت في الصحف الإسرائيلية بـ**"أسد النهوض"** (Lion’s Rise). لم تكن هذه العملية مجرد رد على هجوم سابق، بل كانت ضربة استباقية أو عقابية شاملة، متعددة الأهداف، عالية التقنية، ومبنية على معلومات استخباراتية دقيقة للغاية، تهدف إلى إلحاق أضرار بالغة بالقدرات النووية والعسكرية الإيرانية، وتوجيه رسالة ردع قوية.
#الأهداف والمواقع المستهدفة
#منشآت نووية حيوية: في نطنز (قلب برنامج تخصيب اليورانيوم)، وخنداب (مفاعل الماء الثقيل)، وكرج (مواقع الأبحاث والتطوير النووي)، مما يشير إلى هدف إسرائيلي واضح لتقويض البرنامج النووي الإيراني بشكل جاد.
#مقرات قيادة الحرس الثوري الإيراني: في طهران (المقر الرئيسي)، وخرم آباد ومشهد، مما يهدف إلى شل قدرة القيادة والتحكم للحرس الثوري.
#منازل قادة كبار ومؤثرين: بما في ذلك حسين سلامي (القائد السابق للحرس الثوري)، محمد باقري (رئيس أركان القوات المسلحة)، غلام علي رشيد، علي شمخاني (رئيس مجلس الأمن القومي السابق)، وأمير علي حاجي زاده (قائد القوات الجوية في الحرس الثوري). استهداف القيادات العليا يعكس رغبة في إحداث ارتباك على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي.
#مطارات عسكرية رئيسية: في تبريز وأصفهان وشيراز، وهي مطارات تستخدم لإطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ، أو لاستقبال إمدادات عسكرية.
#الخسائر البشرية والمادية
تؤكد التقارير الأولية:
* 78 قتيلًا مؤكدًا، من بينهم أكثر من 10 شخصيات عسكرية رفيعة المستوى، مما يشكل ضربة موجعة للقيادات الإيرانية.
* 329 جريحًا، بينهم مدنيون وعائلات القيادات المستهدفة، مما يزيد من حدة الغضب الشعبي والرسمي في إيران.
* خسائر فادحة في منشآت نووية، منها دمار شبه كامل في وحدات الطرد المركزي الحديثة في نطنز، مما قد يعيد البرنامج النووي الإيراني سنوات إلى الوراء.
* أضرار جسيمة لحقت بمواقع عسكرية ومخازن أسلحة في جميع أنحاء إيران.
#كيفية تنفيذ الهجوم
العملية الإسرائيلية كانت معقدة ومتعددة الطبقات:
* استخدام مقاتلات F-35 وطائرات شبح: بعضها دخل الأجواء الإيرانية عبر مسارات معقدة فوق العراق وتركيا، مستفيدة من التضاريس والتحالفات الإقليمية الضمنية.
* طائرات بدون طيار هجومية: تم إطلاقها من قواعد متقدمة في إقليم كردستان العراق ومياه الخليج العربي، لتعمل كأهداف خداعية أو لتوجيه ضربات أولية.
* تنسيق مع أقمار صناعية ووسائل حرب إلكترونية متطورة: لتعطيل وتعمية الرادارات الإيرانية وأنظمة الدفاع الجوي، مما أتاح اختراقًا عميقًا للأجواء الإيرانية دون اكتشاف مبكر.
* صواريخ كروز بعيدة المدى: أطلقت من خارج المجال الجوي الإيراني لضرب أهداف محددة بدقة عالية.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
#إيران: وصفت الهجوم بأنه "إعلان حرب رسمي" و"إرهاب دولة". بدأت حملة تعبئة في الداخل، ودعت إلى "الانتقام القاسي وفي الوقت المناسب". أطلقت أكثر من 100 طائرة مسيّرة نحو الجولان والجنوب اللبناني فجر اليوم التالي، تم إسقاط معظمها، مما يشير إلى رد فعل انتقامي فوري، لكن حجمه كان أقل مما توقعه البعض، ربما لتقييم الخسائر أو التخطيط لرد أكبر.
#إسرائيل: أعلنت أن العملية جاءت ردًا على محاولات إيرانية متزايدة لاستهداف الداخل الإسرائيلي عبر سوريا ولبنان والعراق، وتصعيد إيران في برنامجها النووي. وشددت على أنها لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي أو تهديد أمنها.
#الولايات المتحدة: أكدت أنها كانت على علم مسبق بالعملية، لكنها لم تشارك فيها بشكل مباشر، مجددةً دعمها لأمن إسرائيل ومطالبة جميع الأطراف بضبط النفس لتجنب حرب إقليمية شاملة.
#روسيا والصين: دانتا الهجوم بشدة، وطالبتا بضبط النفس ووقف التصعيد الفوري. ودعتا إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لبحث التطورات.
#دول الخليج: اتخذت مواقف متباينة، ما بين الصمت الرسمي الحذر والمطالبات بتجنب التصعيد، خوفًا من انجراف المنطقة إلى حرب واسعة قد تؤثر على استقرارها الاقتصادي والأمني. بعض الدول قد تكون قد سمحت بعبور المجال الجوي بشكل ضمني أو غضت الطرف عن بعض التحركات.
#مصر:
تابعت مصر بقلق بالغ التطورات المتسارعة في المنطقة. فجر اليوم 14 يونيو 2025، أصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانًا عاجلاً أعربت فيه عن "بالغ قلقها تجاه التصعيد العسكري غير المسبوق بين إيران وإسرائيل، والذي ينذر بتهديد استقرار المنطقة برمتها". ودعت مصر جميع الأطراف إلى "ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتغليب صوت الحكمة، والابتعاد عن أي أعمال استفزازية قد تدفع بالمنطقة إلى حافة الهاوية".
كما أكدت مصر على "ضرورة احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة"، وشددت على "أهمية تضافر الجهود الدولية لإيجاد حلول جذرية للأزمات القائمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي تعد جوهر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط". لم تكتفِ مصر بالبيانات، بل بدأت اتصالات مكثفة مع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا وعدد من الدول العربية، في محاولة لنزع فتيل الأزمة واحتواء التصعيد ومنع تحول حرب الظل إلى حرب إقليمية مفتوحة. أبدت مصر استعدادها لاستضافة أي مفاوضات أو مبادرات تهدف إلى خفض التوتر.
#هل نحن أمام حرب مفتوحة؟ احتمالات المستقبل
تشير أغلب التحليلات إلى أن ما حدث ليلة 13 يونيو هو نقطة تحوّل، وربما بداية لحرب جديدة في الشرق الأوسط، تختلف عن حرب غزة أو لبنان، لأنها تحدث في قلب إيران لأول مرة منذ الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات.
#الأسئلة الآن ملحة ومصيرية:
* هل ترد إيران برد مباشر وواسع النطاق على إسرائيل؟ بعد الضربة المؤلمة ليلة "أسد النهوض"، إيران في موقف حرج. الرد القوي قد يؤدي إلى تصعيد لا يمكن التحكم فيه، بينما الرد الضعيف قد يظهرها بمظهر الضعف أمام شعبها ووكلاءها. الاحتمالات تشمل: هجمات صاروخية بالستية واسعة، أو هجمات عبر حزب الله، أو استهداف المصالح الإسرائيلية أو الأمريكية في المنطقة والعالم.
* هل تدخل سوريا ولبنان واليمن على خط المواجهة بشكل كامل؟ قد تحاول إيران تفعيل "محور المقاومة" بشكل غير مسبوق، مما يحول الصراع إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
* هل تسعى إسرائيل لحسم مسألة النووي الإيراني نهائيًا الآن؟ بعد هذه الضربة، قد ترى إسرائيل الفرصة سانحة لإنهاء التهديد النووي الإيراني بشكل حاسم، مما قد يؤدي إلى عمليات عسكرية إضافية.
* كيف سيكون رد فعل المجتمع الدولي؟ هل ستنجح المساعي الدبلوماسية في احتواء التصعيد؟ هل ستفرض عقوبات جديدة على أي من الطرفين؟ هل سيتم الدفع باتجاه اتفاق نووي جديد أكثر شمولية
أخيرا
العمليات العسكرية بين إسرائيل وإيران لم تعد مجرد حرب خفية أو رسائل متبادلة. "أسد النهوض" قلبت المعادلة، وأظهرت استعدادًا إسرائيليًا لرفع مستوى المواجهة بشكل جذري. المنطقة على مفترق طرق خطير: إما أن تنزلق لحرب إقليمية موسعة ذات تداعيات كارثية على العالم، أو تُفرض تسويات دولية غير مسبوقة تضع حدًا لهذا التصعيد غير المسبوق، وتغير قواعد اللعبة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. الأيام القادمة ستحمل الإجابة.


تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك فى موضوعاتنا .