صرخة بلا صوت




لم يكن ما حدث بداية البلوغ فقط، كان بداية النهاية. نهاية الطفولة، نهاية البراءة، نهاية الثقة، وبداية عمرٍ طويل من الخوف. كنت بنت صغيرة، قلبها لسه بيصدق الدنيا، وشايفة إن البيت أمان، وإن الناس اللي حواليّ بيحبوني، وإني لما أكبر، كل حاجة هتفهم أكتر، وهتبقى أسهل. لكن أول حاجة فهمتها لما كبرت، هي إني لازم أخاف. إني مش ملك نفسي، إني لازم أكون حذرة من جسدي، من تفكيري، من أي لمسة عابرة حتى لو كانت من نفسي لنفسي.

أمي عمرها ما كلمتني. كانت بتحبني، أنا عارفة، لكن الحب من غير كلام ساعات بيبقى وجع. كانت شايفة إن السكوت هو الأمان، وإن الكلام في الحاجات دي "عيب" أو "ميصحش"، وسابتني أكتشف بنفسي، وسابتني أتربى في حضن الرعب، والرعب هنا كان عمتي. عمتي اللي كانت دايمًا بتراقبني، وعينيها مش بتطمن، لأ، بتخوّف. كانت تشوفني طفلة، وتخاف عليّ من اللي جاي، فبدل ما تفهمني، حذرتني. قالتلي بحزم مرعب: "اوعي تلمسي المكان ده، لو لمستيه ونزل دم، أبوكي هيقتلك"، ومشيت. كلمة واحدة خلتني أعيش مرعوبة من نفسي، مرعوبة من أي إحساس أو لمسة أو لحظة وحدي في الحمام. خلتني أحس إني خطر حتى على نفسي، وإن جوايا في شيء مخيف، شيء ممنوع، شيء لو قربت منه، هينهي حياتي.

الكلام ده كان قبل البلوغ بشهر يمكن، وأنا كنت في أجازة نص السنة، أولى إعدادي، لا فاهمة ولا متخيلة، مفيش موبايلات، ولا إنترنت، ولا أي وسيلة أعرف بيها. كنت عايشة عادي جدًا، مرسومة في عالمي الصغير، لحد ما جيه اليوم اللي لسه عايشة جواه لحد دلوقتي. أمي كانت عند جدي، وأنا في البيت، بطني وجعتني، قلت هدخل الحمام، حاجة بسيطة، يمكن مغص عادي. دخلت لقيت الدم. ساعتها، حسيت إني مشي في كابوس. الدم مكانش دم بس، كان انهيار. كل كلام عمتي اتجمع في ثانية، في صوت واحد بيقوللي: "أبوك هيقتلك". عيني على الباب، قلبي بيخبط، جسمي بيتلج. خرجت من الحمام مش عارفة أروح فين. أبويا في الصالة، قاعد عادي، ولا حاسس بحاجة. وأنا ببص له كأني ببص للموت.

مقدرتش أقوله، مقدرتش أصرخ. خفت. خفت جدًا. دخلت أوضتي وقفلت على نفسي. قعدت على الأرض، وبدأت أعيط، من غير صوت، بس البكا كان بيوجع في القلب. مشيت في دماغي كل سيناريوهات الموت، تخيلت نفسي مرمية، متضروبة، مقتولة. فكرت في كل شيء إلا الحقيقة: إني بنت، وإن ده طبيعي، وإن ده أول خطوة لحياة جديدة. بس إزاي أفكر كده، وأنا شايفة إن جسمي خانني؟ إزاي أصدق إن في حاجة طبيعية، وأنا طول عمري بتقالّي إن المكان ده موت، مش أنوثة؟

عدت ساعتين وأنا محبوسة، عياط، خوف، رعشة في الإيدين، دوخة في القلب، دماغي مش بتفكر، بس بتخاف. لحد ما أمي رجعت. ساعتها، جريت عليها، حضنتها وأنا بترعش، وقلتلها: "في دم…"، كانت ملامحها فيها صدمة، بس احتوتني. لأول مرة لقيت كلمة طبطبة. شرحتلي، فهمتني، حكتلي إني كبرت، وإن ده مش عيب، وإن لازم أتعامل معاه. بس اللي اتكسر جواي، مكنش يتصلح بكلمة. حتى حضن أمي حسيت فيه بالخجل، مش بالراحة. حسيت إني عملت حاجة غلط، برغم إني معرفش أنا غلطت في إيه.

بعدها نزلت عمتي، وسمعتها وهي بتزعق فيها. أمي كانت بتدافع عني، بس متأخرة. عمتي قالت الكلمة، وأنا صدّقتها، ومهما حاولت أمي تصلّح، الكلمة كانت غرزت فيا. كأنها وشم على روحي. اللي حصل ده كان أول انكسار. ومن ساعتها وأنا مش زيّ البنات اللي بيتكلموا عن أول مرة جاتلهم الدورة بحكايات ضحك أو مفاجأة. أنا حكاية تانية. حكاية رعب، وسيناريو موت، وطفلة بقت ست في دقيقة، بس مش أي ست، ست خايفة من كل حاجة.

السنين عدّت، وكبرت، واتعلمت، وكتبت. بقت الكلمات ملجأي. بس لحد النهار ده، وأنا داخلي في وجع ما راحش، في لحظة واقفة جوه قلبي ومبتتحركش. كل مرة أقف قدام مرايتي، ببص على البنت دي، وبسألها: إنتي لسه خايفة؟ وساعات بحس إن الإجابة: آه، لسه. الثقة مبقتش سهلة، ولا الأمان متاح. بقت العلاقات صعبة، والحب مخيف، والقرب مؤلم. بقيت بخاف من الحضن، من اللمسة، من الكلام اللي ممكن يخلّي جسمي يحس، لأن عقلي لسه مربوط بجملة عمتي: "لو نزل دم، أبوكي هيقتلك".

أنا النهارده ممكن أضحك، وأتكلم، وأكتب، وأظهر قدام الناس عادية، لكن جوايا في بنت صغيرة لسه قافلة بابها، لسه بتعيط، ولسه مستنية كلمة تطمنها، ولسه بتفتكر الدم مش أنوثة، بل علامة خطر. وده مش ذنبها. ده ذنب مجتمع صدّق إن الخوف هو الحماية، وإن التهديد تربية، وإن الصمت حكمة. وأنا واحدة من ضحايا الصمت، واحدة من البنات اللي بيوصلوا للأنوثة مش وهم فخورين، لأ، وهم مكسورين، مرعوبين، وحاسين إنهم مذنبين.

لسه لحد دلوقتي بكتب، وكل ما أكتب، بكتب عنها، عن البنت اللي جُوّاي. مش علشان أشكي، ولا علشان أتهم، بس علشان أقول إنها لسه بتتنفس، وإن الجرح اللي حصل لها عمره ما راح. بيخف؟ يمكن. بينسى؟ أبدًا. بيعدّي؟ بالعافية. لكن عمره ما بيروح. لأني ببساطة، لما بلغت، معرفتش إني ست، عرفت إني مشروع موت.

تعليقات

المشاركات الشائعة