"فرحة على حساب القيم.. قراءة نقدية لمشهد ما بعد امتحانات الثانوية العامة" بقلم محسن الورداني


 



 "فرحة على حساب القيم.. قراءة نقدية لمشهد ما بعد امتحانات الثانوية العامة"

بقلم محسن الورداني .. محسن  سمير

انتهى ماراثون الثانوية العامة، وخرج الطلاب من آخر لجنة وقد خفَّ عن صدورهم حملٌ ثقيل استمر لشهور طويلة، وربما لسنوات متواصلة من الضغوط النفسية، والتوتر، والسهر، والرهبة. لا أحد يُنكر حقهم في الفرح، بل إن لحظة الانتهاء من امتحانات مصيرية كهذه تستحق الاحتفال. ولكن يبقى السؤال: هل كل أشكال الفرح مقبولة؟ وهل ما رأيناه يعبر عن انتصار حقيقي أم عن خلل أعمق في طريقة فهمنا للنجاح؟


شهدت شوارع مصر في اليوم الأخير للامتحانات مشاهد فوضوية صاخبة، شارك فيها الطلاب وأهاليهم، حتى بدا الأمر كأنه مهرجان لا ينقصه سوى كاميرات البث المباشر. خرج مئات الطلاب من اللجان يصرخون ويرقصون في الطرقات، يُمزقون كتبهم، ويلقون الأوراق في الهواء، بل إن بعضهم أحرق الكتب في وسط الشارع وسط تصفيق وصيحات و"زغاريد" من الأمهات. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل رافقه إطلاق مكبرات الصوت، والرقص فوق السيارات، وإغلاق الطرقات، وتعطيل حركة المرور، في مشهد قد يُفهم كفرحة، لكنه في حقيقته تجاوزٌ للفرحة إلى فوضى لا تحترم الذوق العام ولا مشاعر الآخرين.


اللافت للنظر هذا العام كان مشاركة عدد كبير من أولياء الأمور في هذا المشهد، ليس فقط بالحضور، ولكن بالرقص والزغاريد، بل وتقديم الهدايا لأبنائهم أمام المدارس: من الورود والبالونات، إلى ساعات غالية، وهواتف، وأحيانًا سيارات فارهة!


تُرى، هل هذه الهدايا تُمنح على التفوق؟ أم على مجرد "الخلاص من الكابوس"؟

هل أصبح الهروب من ضغط الامتحانات في حد ذاته يستحق التتويج والاحتفاء، بغض النظر عن الأداء أو النتائج؟

وهل يدرك هؤلاء الآباء أن مشهد تقديم هدايا بمبالغ باهظة أمام مدارس عامة، فيه نوع من الاستفزاز للطلاب الأقل حظًا، ممن لا يستطيع أهاليهم شراء وردة، فضلاً عن هاتف أو سيارة؟!


لم يكن الأمر مجرد فرحة عفوية، بل بدا أحيانًا كـ"عرض اجتماعي" لأجل لفت الأنظار، وكأننا أمام سباق للظهور، لا للاحتفال. وقد يُعذر بعض الطلاب في ردود أفعالهم المبالغ فيها، فهم في مرحلة عمرية تتسم بالاندفاع، لكن من غير المفهوم أن يشارك الكبار في نفس السلوكيات، بل ويشجعوها.


إن هذه المشاهد تطرح أسئلة تربوية واجتماعية خطيرة:


هل نربي أبناءنا على أن نهاية الامتحان أهم من مضمونه؟


هل نغرس فيهم أن النجاح يُقاس بالهروب من الضغط لا بمستوى الإنجاز؟


هل نعلمهم أن الفرح له قيمة أكبر حين يكون عاقلًا، متزنًا، لا يؤذي أحدًا، ولا يستعرض شيئًا لا يملكه الآخرون؟


كيف يشعر طالب فقير خرج من نفس اللجنة متوترًا من مستقبله، ليجد زميله يحتفل أمامه بسيارة جديدة وكأن النجاح محجوز لفئة معينة؟



إن هذه اللحظة – لحظة انتهاء الثانوية – لا يجب أن تكون فقط محطة تنفيس، بل فرصة لتعليم أبنائنا كيف يفرحون، لا كيف يبالغون. كيف يُعبّرون عن انفعالاتهم، دون تجاوز أو إيذاء أو مبالغة في التفاخر.


نحن بحاجة إلى مراجعة المفاهيم:


كيف نربط التعليم بالقيم، لا فقط بالدرجات؟


كيف نغرس في نفوس أولادنا أن التواضع قيمة، وأن النجاح الجماعي لا يقل أهمية عن النجاح الفردي؟


كيف نعيد للأسرة والمدرسة دورهما في بناء الوعي والسلوك، لا فقط في تأمين الكتب والدروس الخصوصية؟



ختامًا:

نحن لا نرفض الفرح، بل نرفض أن يتحول الفرح إلى شكل من أشكال الفوضى، والتفاخر، والإساءة غير المقصودة للآخرين.

نريد فرحة ناضجة، تحفظ هيبة التعليم، وتراعي مشاعر الفقراء، وتُخرج الطالب من الامتحان، لا من حدود الأدب والمسؤولية.


تعليقات

المشاركات الشائعة