ارض برجدان بقلم محسن الورداني

 



الإهداء:


إلى أبي وأمي...

منكما استمددت الدفء حين بردت الدنيا، والنور حين أظلمت الطرق.

وإلى كل من آمن بي ولو مرة، ووقف بجواري حين مالت الأرض تحت قدمي،

أهديكم هذه الرحلة...

رحلة البحث عن المستحيل، في زمن لا يؤمن بشيء.

✦ مقدمة الرواية 


هذه الحكاية، وإن بدت لك واقعية حدّ الألم، فهي من نسج خيال الكاتب.

خيالٌ خرج من رحم المعاناة، ومن شغف باحثٍ عن الحقيقة خلف الرمال، عن السر المدفون في مجاهل التاريخ…

إنها ليست قصة عن مغامرة عابرة، بل عن عالم كان قبل أن نكون، وعالم قد يكون بعد أن نفنى.

تبدأ من قبل أن يُخلق الإنسان، وتمتد إلى ما بعد عام 2100.

فيها الملوك والأنبياء، العلماء والمجانين، السلاطين واللصوص… وكلهم وقفوا لحظةً على أعتاب أرض "برجدان"، ولم يعبر إلا هو…

فهل تُصدّق؟

لا أطلب منك أن تؤمن…

فقط اقرأ... واحكم بعد أن تغوص معه.


✦ قبل أن يُخلق الإنسان كانت الأرضُ صامتةً...

لا بشر، لا جن، لا طيرٌ يُحلق، ولا ريحٌ تمر.

كان كل شيء في سكون مطلق، كسجادةٍ خضراء تتهيأ لقدوم الضيوف الأوائل.

قبل أن يُخلق الإنسان بآلاف السنين، كانت الأرض مأهولة بكائنات لا تذكرها الكتب، ولا يتحدث عنها أحد إلا همسًا في الليالي القديمة. كائنات تُدعى "الحن" و"البن". مخلوقات غريبة، لها شكل وهيئة، ولكن بلا روح، بلا قلب ينبض بالخير أو بالشر، تتحرك بدافعٍ غامض، كأنها تحيا لتفسد... وتفعل، لا تفكر.

عاشوا في بقاعٍ عدّة، ولكن كان لهم موطن مقدّس واحد: برجدان.

أرض لا تعرفها الأقمار الصناعية، ولا تظهر على خرائط العالم، ولكنها موجودة… هناك، في عمق الصحراء الغربية لمصر، تحت طبقات الرمال التي لا تهدأ، وفي دهاليز منحوتة بأيدٍ ليست كأيدي البشر.

 برجدان…

مهد النور والظلام.

جوفها يحتوي على ثلاثة أنهار لا تجري على السطح:

ماء نقي يشفي كل داء.

مجرى مسك إذا لامس جسدًا، التصق به عبيره إلى الأبد.

ونهر من بحرٍ بعيد… يسكنه ألذّ ما خلق الله من سمك، لا يُصطاد، بل يُقدم طوعًا لمن يستحق.

وكانت الأرض تشتعل بالذهب، تتنفس ياقوتًا، وتبكي زُمرّدًا. فسال لعاب "الحن" و"البن"، وفجروا كنوزها، ولوّثوا أنهارها، وأفسدوا في الأرض كما لم يُفسد أحد.

 فهبّت السماء.

وأرسل الله الملائكة، لا لتُصلح، بل لتُنهي القصة.

حربٌ لم تُروَ، وأصوات لم تُسجّل، وسيوفٌ من نور نزلت على رؤوس الكائنات المتمردة.

ثم جاء الجن، أذكى، أسرع، أخفّ… فعاشوا في دهاليز الأرض، ومن أهمها برجدان. حفروها، رسّخوها، بنوا فيها أبراجًا لا تُرى من السماء، وممرات لا يدركها عقل. كانوا يعرفون ما لم نعرفه… وكانوا يخفون ما لا يجب أن يُكشف.

حتى جاء الإنسان.

 ✦  سليمان

عام 2023، في حيٍّ شعبي من أحياء القاهرة، ولد ونشأ "سليمان".

شاب جامعي من أسرة متوسطة. درس في كلية العلوم، تخصص كيمياء تحليلية، وكان شغوفًا بالمعرفة، مغرمًا بالترحال، يعشق الخيول، وله ولعٌ خاص بالصحراء.

أبوه كان موظفًا بسيطًا في الأرشيف، وأمه تعمل في مشغل خياطة. لم يعرف الثراء، لكنه لم يعرف الجوع. كبر سليمان وهو يحب القراءة والهدوء، يهرب من ضجيج العالم إلى صمت الكتب.

أثناء جائحة كورونا، كان ممن أسرعوا لأخذ اللقاح. وبعد أيامٍ قليلة، أحس بشيءٍ غريب في جسده. إرهاق لا يُفهم، صداع لا يتوقف، ونبضٌ لا يشبه النبض. راجع الأطباء، أجرى التحاليل، لكن لا شيء واضح.

"جسمك سليم، تحاليلك تمام، شد حيلك بس!"

هكذا قال له الطبيب.

لكن سليمان كان يعرف... هناك شيءٌ بداخله يتغير.

✦  النداء

في ليلةٍ شتوية، كان يتصفح مخطوطة رقمية نادرة باللغة العربية القديمة. سقطت عينه على جملةٍ هامشية، لم ينتبه لها أحد:

"كانت أرض برجدان مملكةً تحت الأرض، سكنها الحن والبن، وكانت بابًا بين العالمين..."

قرأ الاسم مرتين.

برجدان؟!

بحث عنها على الإنترنت، فلم يجد إلا إشارات باهتة، وقصص أسطورية. لكن كلما قرأ أكثر، ازداد يقينه أن وراء هذا الاسم سرًا مخفيًا.

وكلما غاص في التفاصيل، بدأت أسماء تظهر:

جيش قمبيز الفارسي، الذي اختفى بالكامل في رمال الصحراء.

الإسكندر الأكبر، الذي زار واحة سيوة ثم مات فجأة وهو في عز شبابه.

قوافل البحث عن الذهب التي لم تعد قط.

"عالم فرنسي" اسمه شارل لوران، كتب في مذكراته:

"هناك مكانٌ في الصحراء لا تُشرق فيه الشمس، لكنه يضيء... دخلته وخرجتني رؤى."

بعدها بأيام... انتحر.

✦ الرحلة إلى سيوة

سليمان كان قد تعب من المرض، ومن الحياة.

وفي ليلة، رأى منامًا:

امرأة نورانية تناديه باسمه، وتقول:

 "أرضك تناديك… برجدان تنتظرك. الطريق لا يُرَى، لكنه هناك."

في اليوم التالي، جهّز سيارته، وأبلغ أمه بأنه سيغيب لأيام.

اتجه غربًا… إلى الصحراء.

كان يقود كمن يعرف الطريق رغم أنه لا يعرفه. وبعد يومين من التنقل، وصل إلى حافة الرمال المتحركة.

لم يكن هناك شيء. لا خيمة، لا علامة، لا بناء.

لكن الصوت داخله كان يشتد.

كأن الأرض نفسها تقول له:

 "اقترب… أنت المُختار."

✦ نهاية ام بداية

سليمان ينزل من السيارة.

يمشي… والرمال تحت قدميه رخوة.

يسير أكثر… فجأة، ينزلق.

لا سقوط… بل غوص بطيء كأن الأرض تحتضنه.

يحاول الصراخ، فلا يخرج صوت.

يحاول المقاومة، لكن لا جدوى.

وآخر ما رآه قبل أن تُظلم الدنيا:٠

 كان ضوءًا ذهبيًا، يتلألأ في أعماق الرمل…

وكان يشبه النبض.


 🚩بوابة الرمل

لم يكن غرق سليمان في الرمال المتحركة موتًا كما توقع، ولم يكن حلمًا كما كان يأمل، بل كان العبور بعينه. لحظة انفلت جسده من صلابته، وشعر بأن كل ذرة فيه تُسحب إلى الأسفل ببطء لا يرحم، أدرك أن الزمن انكسر. لم يعد للأعلى معنى، ولا للأسفل وجهة. لم يكن هناك سوى هذا التوق العميق المجهول الذي يسحبه إلى الداخل.

ظل يُقاوم، لا عن خوف، بل لأن عقله البشري لم يقبل ما يحدث. لم يسمع صوتًا، لم يلمس شيئًا، لكنه كان يهبط. لا ظلمة، بل ضوء ذهبي خافت يُحيطه، كأنه يغوص داخل سائل لا مرئي، شفاف، مُضيء. كلما غاص أكثر، شعر أن جسده يخف. كأن الثقل الذي كان يرهقه منذ سنوات — ثقل المرض، وثقل الحياة، وثقل الأسئلة — بدأ يتلاشى.

وفجأة... توقف الهبوط.

فتح عينيه، فلم يجد رمالًا، ولا سماء، ولا صحراء. بل وجد نفسه واقفًا في ممر حجري ضيق، جدرانه تميل إلى البنفسجي الداكن، محفور عليها نقوش دقيقة، تتوهج بخطوط ذهبية رقيقة تنبض كأنها عروق حيّة.

لم تكن هناك أبواب، ولا مصدر واضح للضوء، لكن كل شيء كان منيرًا بنورٍ خافت، دافئ، يشبه نور الفجر قبل الشروق بلحظات.

سار بخطوات مترددة، وكل خطوة كان يسمع معها صوتًا خفيًا، كأن الممر يتنفس… كأن المكان كله كائن حي.

ثم، وبدون إنذار، جاءه الصوت.

ليس من الخارج، بل من الداخل… من عمق عقله:

"مرحبًا بك، سليمان."

توقف فورًا، جسده ارتعش. الصوت لم يكن مخيفًا، لكنه لم يكن بشريًا. لا هو بصوت ذكر ولا أنثى، لا قديم ولا شاب، بل صوت خارج التصنيف.

كرر الصوت:

"لقد اجتزت أول العتبات… ما بعد هذه الخطوة لا عودة فيه."

سليمان، وقد بدأ يدرك أن ما يحدث حقيقي، قال بتردد:

"أين أنا؟ من أنتم؟"

فجاءه الرد، هذه المرة عبر الجدران نفسها، كأن الحجر يجيبه:

"أنت في برجدان، الأرض التي لا يُراها إلا من استُدعي… ونحن من كانوا قبل أن تُخلق عيناك."

الذهول أخذ منه كل قدرة على التفكير. "برجدان؟! هل دخلت؟ هل هذه هي؟" سأل نفسه.

كانت كل معرفته السابقة عن هذه الأرض مستمدة من سطور في مخطوطات غامضة، إشارات غير مكتملة في كتب الجغرافيا القديمة، وكلام غريب في بعض رقوق الجن المخبأة.

ولكن هذا… هذا الممر، وهذه الجدران الحيّة، وهذا الصوت العميق… هذا يفوق الوصف.

نظر إلى يده، فوجد أن الخط الذي كان في كفه، والذي وُلد به، قد اختفى. في مكانه، ظهرت نقطة مضيئة، مثل نجمة صغيرة تحت الجلد.

اقترب من الجدار، ومد يده نحو أحد النقوش. وما إن لمسها، حتى شعرت يده بحرارة خفيفة، وظهر ضوء من النقش، ثم بدأ يتحرك. النقش تحوّل إلى رسم حي، يُظهر كائنات تتحرك… لم تكن بشرًا، ولا حيوانات، بل أجساد طويلة بأذرع متعددة، لها وجوه بلا ملامح.

الصورة كانت تروي.

رأى معركة… الملائكة تهبط من السماء، نورهم يشق الأرض، والحن والبن يهربون، يصرخون، ثم يتحولون إلى غبار.

ثم ظهر رمز… عين واسعة داخلها لهيب.

هنا سمع الصوت من جديد:

"هذه العين هي بوابة الحقيقة. من ينظر فيها يرى ذاته كما لم يرها من قبل."

وقبل أن يسأل سليمان أين هي، بدأ الجدار يُنشق أمامه ببطء. لم يكن صدعًا، بل تفتّح طبيعي كأن الجدار يستجيب.

ومن ورائه، بدأت الأرض تتغير…

الهواء صار أكثر دفئًا، كأن نسيمًا أبديًا يسري فيه.

ورائحة… لا توصف. مزيج من تراب مبلل، ومسك، وشيء لم يشمه من قبل.

ثم سمع النداء الأخير من داخل أعماقه:

"تقدَّم… من دخل الممر الذهبي، لا يعود إلا حاملاً النور… أو ممزقًا من الداخل."

تقدّم سليمان، بعينين مندهشتين وقلبٍ ينبض كما لم ينبض منذ ولادته.

وكان يعلم… أنه عبر الآن، لا إلى أرضٍ أخرى فقط، بل إلى زمنٍ آخر.

زمن ما قبل التاريخ… زمن برجدان.

أصوات من زمن الحن والبن


عند نهاية الممر، فتح الباب أمامه على قاعة عظيمة ترتفع جدرانها لأمتار، تحفها أعمدة ملتوية لا تحمل شيئًا فوقها، لكنها قائمة كأنها حراس صامتون.


كان الجو مشبعًا بالصمت، لا يشوبه إلا همس خفيف يأتي من أعلى، كأنه تنفّس مئات الأرواح المحبوسة.


في الجدار المقابل، رأى سليمان لوحات منقوشة بلون أحمر داكن، محفورة في صخر أسود لا يعكس الضوء، بل يبتلعه. اقترب ليرى، فوجد كلمات بلغة لا يعرفها، ومع ذلك… فهمها.


"نحن الحن… أول من عاش، وأول من أفسد، وأول من سقط."


جملة أخرى:


"البن رفاقنا في الفوضى، عشنا بلا روح، وعشنا كثيرًا، حتى أمر الله السماء أن تطهّر الأرض."


نظر إلى الأعلى، فرأى سقفًا مزينًا بأشكال لولبية تُشبه النجوم لكنها تتحرك ببطء، كأن السماء تحكي القصة أيضًا.


ثم رأى صورة محفورة لمخلوق ضخم، بجسدٍ طويل كأفعى، له وجه بلا عينين، وأذرع تمتد في كل اتجاه. حوله مخلوقات أصغر، تسجد له.


ظهر نقوش جديدة كلما مشى، كل منها يحكي مرحلة:


صعود الحن والبن.


بداية فسادهم.


صراعهم مع الجن الذين جاؤوا بعدهم.


ثم الهلاك… نار نازلة من السماء، وسيوف من نور.



وبين كل لوحة ولوحة، نقش لعينٍ مشتعلة، رمز لا يتغير.


في وسط القاعة، منصة حجرية عليها ما يشبه الكتاب، مفتوح على صفحة بيضاء لا حروف فيها.


وما إن وضع سليمان يده عليه، حتى ظهرت الحروف:


"الذي يرى ما رآه سليمان، يُختبر. والذي يقرأ، يُحمَّل. ومن لا يصمد… يُمحى من الذاكرة."


تراجع سليمان خطوة. ثم جاءه الصوت:


"كل ما رأيته الآن… ليس سوى ظل الحقيقة. وما ينتظرك، هو الأصل."


رفع عينيه إلى الجدار المقابل… فانشق مرة أخرى، ليكشف عن نفقٍ جديد، يفضي إلى قلب الأرض.


وخطا سليمان، تاركًا خلفه الحن والبن، ومتجهًا نحو ما لا يُسمّى.

🚩عين الذهب


ما إن اجتاز النفق الجديد حتى شعر بحرارة مختلفة تلامس جلده، حرارة لم تكن مؤذية، بل أشبه بعناق خفيف من الشمس في صباح خريفي.


أمام عينيه، انفتحت الأرض على ساحة واسعة، دائرية الشكل، محاطة بجدران كأنها من زجاج أسود، لا تعكس شيئًا، لكنها تشفّ عن ما خلفها من أعمدة ذهبية متوهجة.


وفي قلب الساحة، كانت هي… عين الذهب.


بركة مستديرة، قطرها يقارب العشرة أمتار، يطفو سطحها لا كالماء، بل كالعسل السائل، يلمع بضوءٍ داخلي، وتدور فيه دوامات صغيرة كأنها تتنفس. لم يكن ماءً، بل ذهبًا حيًا.


اقترب سليمان، تردد للحظة، ثم مد يده ببطء نحو السطح.


لم تبتل أصابعه… بل غاصت فيها ببطء كما لو كان الذهب سائلًا طريًا يرحب بها. لم يشعر بحرارة، بل بتيارٍ داخلي يسري في عروقه من طرف أصابعه إلى قلبه.


وفجأة… كل شيء تجمّد.


لم يعد يسمع شيئًا.


ثم جاءت الرؤية.


رأى نفسه طفلًا صغيرًا، يلعب وحيدًا في حديقة بجوار منزلهم، ثم صبيًا في المدرسة، يجلس خلف الطاولة الأخيرة، ينظر من النافذة نحو المدى. رأى والده وهو يمسح عرقه على درج المحكمة، وأمه وهي تُخيط ثياب الجيران.


رأى نفسه في لحظات ضعفه، حين بكى في الحمام دون أن يراه أحد، حين سقط من أعلى سلّم الجامعة وأدرك أن جسده هشّ…


ثم رأى لحظة المرض… لحظة اللقاح… لحظة السقوط في فراشه.


وفجأة، عاد.


سحب يده من الذهب، فوجد على جلده بقايا لامعة، لا تذوب، لا تزول. ثم أحس بأن صدره أصبح أكثر اتساعًا، وأن تنفسه صار أعمق.


صوت خفي قال له:


"عين الذهب لا تُعطي لمن يسأل، بل لمن يُختار. أنت لم تختَر الذهب… بل هو اختارك."


وفي تلك اللحظة، فهم.


هذه الأرض، بكل ما فيها، ليست كنزًا يُستخرج… بل وعيٌ يُكتسب.


ومن يفهم… يبدأ.


وسليمان… بدأ لتوه.

🚩الوصيّ بين العوالم


لم يكد سليمان يُكمل خطوته الأخيرة مبتعدًا عن عين الذهب، حتى شعر بأن الأرض التي يسير عليها تنبض… لا كاهتزاز زلزال، بل كنبضات قلب عظيم، عميق، ثابت. كان يخطو لا على حجر، بل على كيان حي.


الهواء تغيّر. صار أكثر ثِقلاً، كما لو أن طبقة أخرى من الواقع نزلت فوق العالم الذي كان فيه. الألوان بدأت تتحول… لم تعد الأشياء بلونها الطبيعي. الأخضر صار أزرق ناعمًا، والذهبي توهج أكثر، والظل صار مضيئًا، والضوء له ظلّ.


ظهر أمامه ممر جديد، طوله لا نهاية له، جدرانه ليست من حجر ولا زجاج، بل من ضوء متجمد، يعكس صورًا لا تخصه. كلما مرّ بجانب أحد الجدران، رأى وجوهًا، لقطات، مشاهد من عوالم أخرى.


طفلة تضحك في مدينة غارقة… رجل يحمل سيفًا ويقف في مواجهة مارد… امرأة تصلي في صحراء يمرُّ فوقها نيزك مشتعل… ثم رأى شيئًا غريبًا:


رأى نفسه.


لكن ليس كما هو. رأى نسخًا منه:


سليمان المحارب في أرض بها قلاع من العظام.


سليمان الحكيم في قاعة تعجّ بالكائنات الغريبة.


سليمان العجوز، ذو لحية فضية، جالس على عرش بلون السماء.



كلهم كانوا ينظرون إليه.


ثم، من نهاية الممر، خرج نورٌ كثيف، وخرج منه رجل. أو ربما لم يكن رجلًا. كان شكله بشريًا، لكن طوله غير منطقي. لا يُشعرك بالخوف، بل بشيء أقدم من الزمن نفسه.


كان يرتدي عباءة داكنة، لا لون لها، بل تتغيّر بلون الهواء حولها.


قال بصوتٍ لا يُسمع، بل يُشعر:


"أنا الوصيّ. لست خادمًا ولا سيدًا. أنا فقط من يحفظ الباب بين العوالم."


اقترب منه سليمان، شعر بأن الكلمات تخرج من فمه دون أن يفكر:


"أي باب؟ ولماذا أنا هنا؟"


أشار الوصيّ إلى الجدران:


"هذه ليست جدرانًا. إنها احتمالات. لكل مَن دخل أرض برجدان، نسخة كامنة في احتمالٍ آخر. أنت هنا لأنك اخترت الطريق الذي لم يَعد إليه أحد."


سأله سليمان:


"هل أنا وحدي من جاء؟"


هز الوصيّ رأسه:


"كثيرون جاؤوا. من قبل أن يُكتب التاريخ، ومن بعد أن طُمست أسماءهم. لكن أكثرهم خاف، أو تراجع، أو طمع. وحده من يصمد حتى يرى صورته في كل زمان، هو من يستحق العبور."


قال سليمان:


"وأين سأعبر؟"


أجابه الوصي:


"نحو ما لا يُروى. أرض الحقيقة. ليست ما تتخيله، بل ما تجهله. وهناك، لن تجد ذهبًا ولا ماءً ولا مجدًا… بل ستجدك."


كان صوت الوصيّ يحمل في نبرته كل الأزمان، وكل اللغات، وكل المشاعر.


ثم مد يده نحو صدره، وأخرج حجرًا صغيرًا، شفافًا، بداخله دوامة تدور ببطء.


قال:


"هذا حجر التوازن. طالما هو معك، ستبقى بين العوالم. إن كُسِر… تنقطع. إن اختفى… تُنسى."


أخذه سليمان، وفي لحظة تلامست فيها يده بالحجر، سقط على ركبتيه.


رأى ما لم يكن مستعدًا لرؤيته.


رأى الأرض تُخلق، والجبال تُرتفع، والجن يرقصون حول النيران الأولى، والحن والبن يُقسمون ولاءهم لمخلوق عظيم بلا وجه. رأى الإنسان يُنفخ فيه، ورأى نُذر الطوفان، ورأى قيام الممالك وسقوطها.


ثم رأى شيئًا مرعبًا…


رأى نسخة منه، تُحاكم أمام كائنات لا تُوصف، تُسأل عن كل لحظة، عن كل اختيار، عن كل كلمة.


ثم عاد.


الوصيّ لازال واقفًا.


قال له:

"الآن، أنت تعرف من أنت… ومن كنت… ومن سيكون."

ثم أشار إلى جدارٍ في نهاية الممر، كان يتحرك مثل ستار ماء:

"ادخل… هناك البداية."

وسار سليمان، مُمسكًا بالحجر في يده، قلبه ثقيل، لكنه هادئ.

دخل الجدار، ودخل معه عالمٌ آخر… حيث لا حدود بين الزمان والمكان، ولا فرق بين الحياة والحكاية.

وكان يعرف أن كل ما قبله، ليس إلا بداية الحكاية.

🚩الطريق إلى قلب برجدان


ما إن اخترق سليمان الجدار المتحرّك في نهاية ممر الوصيّ، حتى وجد نفسه في نفقٍ لا يبدو أن له بداية ولا نهاية. لم يكن يمشي، بل ينساب. لا يسير على الأرض، بل يطفو في شعاع من الضوء لا لون له، ولا حرارة، لكنه يحمل إحساسًا عميقًا بالسكينة.


بدأ يسمع من بعيد همسات… لكنها لم تكن بالعربية، ولا بأي لغة يعرفها. كانت نغمات، أشبه بترانيم تصعد من أعماق الأرض.


فجأة، توقف كل شيء.


أمام عينيه، فُتح بابٌ عظيم، مصنوع من معدن لا يُشبه أي شيء رآه من قبل. بدا كأنه حي، ينبض بنورٍ من داخله. الباب كان منقوشًا برموز لم يرها من قبل، لكنها بدت مألوفة، وكأن عقله يعرف معناها، رغم أنه لا يتذكّرها.


مدّ يده، ولم يلمس الباب، بل فكّر فقط… فانفتح.


ما إن دلف إلى الداخل، حتى انكشفت أمامه أعظم مشاهد حياته:


قلب برجدان.


واديٌ فسيح، تغطيه نباتات زرقاء اللون، تشبه الطحالب لكنها تتفتح كالزهور كلما اقترب منها. في وسط الوادي، شجرة عملاقة، جذعها من الكريستال، وفروعها من لهبٍ بارد، وأوراقها تُصدر همسات… ليست أصواتًا، بل ذكريات.


كان كل ورقة على الشجرة تُخبر قصة. قصة مَن دخلوا برجدان قبله. رأى قصصًا لملوكٍ وحكماء، وعلماء، ومجانين… كلهم دخلوا بحثًا عن شيء، بعضهم وجده، وبعضهم فقد نفسه في الطريق.


بين الأغصان، رأى نورًا أزرق يتجمع ببطء، حتى تكوّن منه كائنٌ صغير، شفاف، بجناحين يشبهان شراعَين مضيئين.


قال الكائن:


"أهلاً بك، سليمان. لقد عبرت الأبواب السبعة، والآن أنت في القلب. هنا تختبر الأرض ذاتها."


قال سليمان وهو لا يزال مذهولًا:


"هل هذه الأرض… حية؟"


ابتسم الكائن:


"ليست حية فقط، بل واعية. برجدان ليست مكانًا… إنها كائن. تعي من يطؤها، وتحفظ من يُكرمها، وتُبيد من يخونها."


أخذ الكائن يطير حول الشجرة، وكلما مرّ فوق فرع، انبثق منه ضوء، وعُرضت صورة في الهواء. رأى سليمان معارك جرت تحت الأرض، رأى الجن يبنون، والحن يحفرون، والبن يراقبون من فوق الجبال. رأى الخنادق التي بُنيت، والأنهار التي وُجّهت، والأبواب التي أُغلقت.


ثم قال الكائن:


"أنت الآن في المكان الذي خبّأه الجن منذ آلاف السنين، حيث تُصنَع الحقيقة من ذهب الذاكرة. أمامك ثلاث اختبارات: الماء، الصوت، والنفس. من يجتازها، يُفتح له باب الحياة الثانية."


سأله سليمان:


"وما هي الحياة الثانية؟"


قال الكائن:


"هي ما بعد الحقيقة. هي حين ترى العالم بعين الأرض، لا بعينك."


سكت سليمان لحظة، ثم قال:


"أنا مستعد."


فأشار الكائن إلى ثلاثة ممرات، كل واحد منها ينبثق منه ضوء مختلف:


الأول بلون الماء، أزرق بارد يقطر ندى.


الثاني بلون النحاس، فيه تردد صوتٍ غامض.


الثالث أسود، لكن فيه خفقان، كأنه صدرٌ يتنفس.



قال الكائن:


"اختبر الماء أولًا."


وسار سليمان، بخطى ثابتة، نحو الاختبار الأول، غير مدركٍ أن هذه اللحظة… هي آخر لحظة سيكون فيها كما كان.

🚩اختبار الماء


دخل سليمان الممر الأول، الذي ينبعث منه ضوء أزرق بارد، كأنك تمشي في ضوء القمر تحت بحرٍ ساكن. كانت الأرض رطبة، تتنفس تحته، وتبعث في رجليه شعورًا غريبًا بالهدوء والخوف في آنٍ واحد.


كلما خطا خطوة، كان يسمع صوت قطرات، لكن لا يرى من أين تنزل. بدا وكأن الرطوبة في الهواء تتحول إلى نغمة، وأن النغمة تحمل ذاكرة لا تخصه، لكنه يشعر بها في عظامه.


توسّع الممر شيئًا فشيئًا، حتى وصل إلى بحيرة داخلية، لا أكثر من عشرة أمتار، تحيطها جدران كريستالية تنعكس عليها صور متحركة من ماضيه.


رأى نفسه يجلس على سرير مرضه، يُمسك بأوراق تحاليله، يُخفي وجهه عن أمه حتى لا ترى دموعه. رأى فتاة أحبها ولم يخبرها، ورأى جده يحتضر على فراشٍ في صعيد مصر، ينظر إليه كأنه يعرف ما سيواجه.


الماء أمامه لم يكن عاديًا، كان شديد الصفاء، لكن لا يعكس شيئًا. نظر إليه سليمان فلم يرَ وجهه، بل رأى شخصًا آخر. كان هذا الشخص هو نفسه… لكنه مختلف: أكثر صحة، أكثر طمأنينة، أكثر نقاء.


ظهر الكائن الذي رافقه في المشهد السابق، لكن بحجمٍ أصغر، يطفو فوق سطح الماء، وقال:


"اختبار الماء لا يكشف لك الماء، بل يكشفك للماء. كل ما تخفيه، كل ما تنساه، كل ما تهرب منه… سيراه الماء. وإن قبلت الماء حقيقتك، سمح لك بالمرور."


سأله سليمان:


"وكيف أعرف إن كان قبلني؟"


قال الكائن:


"إذا لم يبللك، فقد غفرت لك الأرض. وإذا ابتلعتك، فأنت لست مستعدًا."


سار سليمان نحو الماء، خطواته بطيئة، وقلبه يعجّ بأسئلة لم يعد يملك لها إجابة.


وقف على حافة البحيرة، ثم دخلها، دون أن يُحدِث موجة، كأنه دخَل حلمًا.


وفجأة، غطاه الماء كله.


لكنه لم يختنق.


فتح عينيه، فرأى ما لا يمكن وصفه.


رأى نسخة من ذاكرته، مجسدة في فقاعات تدور حوله. كل فقاعة تحوي مشهدًا من ماضيه: خيانة صديق، شعوره بالعجز حين فشل في أول اختبار جامعي، لحظة تردده في التبرع لفقراء الشارع، صمته حين طُلب منه قول الحقيقة.


كل تلك الذكريات تدور حوله، لا تُصدر صوتًا، لكنها تُحاسبه.


ثم، ظهرت فقاعة أخيرة، كانت الأشدّ وضوحًا.


كانت فقاعة تحوي صورته، وهو يتلقى اللقاح… ثم مشهد سقوطه في الشارع، والناس من حوله لا تعرف ماذا تفعل… ثم صورتُه في المستشفى، يُشخصه الأطباء بأنه لن يعيش طويلًا.


أغمض عينيه، وكأن قلبه يريد أن يصرخ… لكنه لم يصرخ.


فتح عينيه من جديد، ثم همس للماء:


"أنا لست كاملًا… لكني جئت. إن كنت أستحق أن أُكمل، فدعني… وإن لم أكن، فخُذني."


ساد السكون لحظات.


ثم… انقسم الماء فجأة إلى نصفين، كأن البحر شُقّ له وحده، ووقف سليمان على أرضٍ جافة وسط البحيرة.


ظهر نور من الأعلى، وأحاط بجسده بالكامل، وسمع صوتًا يقول:


"لقد قبلتك الحقيقة… فامضِ."


خرج سليمان من البحيرة، ملابسه جافة، لكن روحه مبللة بالحقيقة.


لم يكن كما دخل.


كان أهدأ… أثقل… أصدق.


والممر الثاني، ذو الصوت النحاسي… بات ينتظره.

🚩اختبار الصوت

خرج سليمان من ممر الماء، خطاه أصبحت أبطأ، لكنها أكثر يقينًا. لم يكن يشعر بالتعب، بل بشيء جديد كليًّا: خفّة في الروح، كأن ثقلًا قد أُزيح من صدره إلى الأبد.

الممر الثاني بدا أكثر غرابة من الأول. لم يكن له جدران، بل كان يتكوّن من موجات صوتية، خطوط من الهواء المتذبذب، تُشكّل ممشى متماسكًا رغم شفافيته. كل خطوة كان يُصدر معها صدى، لكن ليس صدى صوته… بل صدى صوته الداخلي.

سار في الممر، والضوء من حوله يميل إلى اللون البرتقالي الداكن، كأن شمسًا تغيب تحت بحرٍ من السكون.

ثم بدأت الأصوات تظهر.

ليست كلمات… بل أصوات بشرية:

ضحكة طفل.

صرخة أم.

تنهيدة رجل.

صلاة هامسة.


كانت الأصوات متداخلة، تصعد وتهبط كما لو كانت نغمة واحدة. ثم سمع صوته… نعم، صوته هو، وهو يُنادي على شخصٍ ما:

"استني… ما تمشيش!"

تجمّد.

تذكر تلك الليلة… منذ خمس سنوات. كانت فتاة يحبها، وتركته دون تفسير. لحق بها في الشارع، ناداها، لكنها لم تلتفت.

الآن… سمع النداء من جديد، بصوته هو، لكن أكثر نقاءً، أكثر ضعفًا، أكثر صدقًا مما ظن.

قال الصوت الخفي:

"الصوت هو بُعدك الأعمق. كل كلمة نطقتها، كل صمت امتنعت عنه، كل صرخة حبستها، محفوظة هنا."

أمام سليمان ظهرت موجة هوائية، شكلها كالقُبّة، لكنها كانت مصنوعة من الذكريات الصوتية.

قال الصوت:

"إن استطعت أن تُميّز صوتك الحقيقي بين هذه الأصوات… اجتزت. وإن لم تستطع، بقيت أسير أصوات الآخرين إلى الأبد."

اقترب سليمان من القبة، دخلها.

انهمر عليه سيل من الأصوات: أبوه ينصحه، أمه تبكي، أستاذه يوبّخه، أصدقاؤه يضحكون، مرضى يتألمون في المستشفى، صيحات المتظاهرين، المآذن، التراتيل، الأغاني، الرصاص، الريح… كلهم معًا.

كان الصوت صاخبًا حدّ الألم، لكنه ركّز.

في وسط كل هذا الضجيج، حاول أن يبحث عن نبرة واحدة… هي نبرته.

ثم سمعها… خافتة… تأتي من بعيد:

"أنا… أنا مش ضعيف. أنا كنت لوحدي بس."

لحظة نطق بها ذات مرة في الظلام، وهو على حافة الانهيار، لم يسمعها أحد… إلا هو.

نطق سليمان الجملة بصوتٍ مسموع:

"أنا مش ضعيف. أنا كنت لوحدي بس."

وفجأة… سكنت الأصوات.

ثم جاء همس، ناعم كأول مطر:

"عرفتَ صوتك… فاستحققت الصمت."

وفتحت أمامه بوابة من الضوء الشفاف.

خرج منها، لا يحمل شيئًا، لكنه شعر أنه سمع العالم كله، وفهم منه ما كان يجهله طوال حياته:

أن أكثر ما يحتاجه الإنسان… هو أن يسمع نفسه.

وكان الممر الثالث، الأسود، يتنفس في الظلام.
🚩اختبار النفس

كان الممر الثالث أشبه بشقٍ في الفراغ، مظلمًا تمامًا، لا ضوء فيه، ولا صوت، ولا حتى إحساس بالزمان أو المكان.

وقف سليمان أمامه، يُحدق في العتمة التي تتنفس ببطء، كما لو أن شيئًا في الداخل يراقبه من زمن بعيد. لم يشعر بالخوف، بل بشيء أشد منه… التعرّي.

دخل.

لم يرَ شيئًا. حتى جسده لم يعد يشعر به. كل ما حوله كان ظلامًا، لكنه لم يكن مجرد غيابٍ للنور، بل حضورٌ كثيف للعدم.

ثم سمع الصوت.

كان صوته.

"سليمان… أنت آخر من يكذب عليك الآن."

قال سليمان دون أن يفتح فمه:

"أين أنا؟"

فجاءه الرد من داخله:

"أنت داخل نفسك. وهنا، لا يوجد أحد سواك."

وفجأة، بدأ الظلام يتقلص، وتحول إلى مساحة مغلقة كغرفة بلا جدران، لكن لها حدود تُحسّ ولا تُرى. وظهر أمامه… هو.

نسخة أخرى من سليمان، لكن أكثر شحوبًا، بعينين غائرتين، وصوتٍ مشبع بالمرارة.

قال النسخة:

"ظننت أنك تجاوزتني؟ أنك صرت أفضل؟ أنا كل ما تهرب منه: أنانيتك، جبنك، كذبك، قسوتك على من أحبك."

حاول سليمان أن يرد، لكن النسخة تابع:

"كم مرة ادعيت أنك طيب وأنت تتمنى السوء لغيرك؟ كم مرة قلت: مش مهم، وأنت تغلي من الداخل؟ كم مرة خنت نفسك؟"

اقتربت النسخة أكثر.

قال سليمان بصوتٍ مهتز:

"أنا تغيرت…"

ردّ الآخر:

"بل أنت تُجمّل القبح. تغيّرت لأنك مرضت، لا لأنك أدركت."

صمت. لم يجد ردًا.

فقال الصوت:

"الاختبار ليس أن تنكرني… بل أن تعترف بي… وتغفر لي."

اقترب سليمان، ونظر في عيني النسخة.

ورأى فيها كل لحظات السقوط: صمته عن الحق، خيانته لمبادئه، نفاقه، ضعفه، تكبّره حين شُفي أول مرة…

مدّ يده نحو النسخة، وقال:

"أنا آسف. كنت ضعيفًا… وكنت أنت أنا. لكني اليوم أريد أن نكون شخصًا واحدًا."

فابتسم الآخر، لأول مرة، ثم تلاشى ببطء… وتحول إلى خيط من نورٍ انساب إلى داخل صدر سليمان.

وعاد الضوء.

وظهر الكائن الطائر، الذي رافقه منذ دخول قلب برجدان.

قال:

"لقد اجتزت… الماء عرف ضعفك، والصوت عرف حقيقتك، والنفس سامحتك. لم يتبقَ إلا البوابة الكبرى."

سأله سليمان:

"أين هي؟"

أشار الكائن إلى السماء، التي بدأت تنشق عن سلمٍ من نور، يصعد في الفراغ، لا يُرى أعلاه.

قال:

"اصعد… ففي الأعلى، ما بعد برجدان."

🚩اختيار العودة

خرج سليمان من نفق النور وقد تغيّرت ملامح العالم من حوله. لم تكن برجدان كما دخلها أول مرة… ولا هو نفسه. الأرض نفسها كأنها احتفت بمروره. الأشجار انحنت، النسيم صافحه، والسماء فتحت له نافذة من الضوء الأزرق.

كان أمامه بوابتان.

الأولى، محفوفة بوهج ذهبي، تنبعث منها موسيقى عذبة، لا تأتي من آلة بل من الهواء نفسه. خلفها كانت تمتدّ أرضٌ لا نهائية، فيها بحيرات شفافة، وجبالٌ تطفو في السماء، وسماء تتنفّس.

أما الثانية، فبسيطة… مجرد فتحة في حائط من تراب، خلفها الصحراء. صحراء مصرية يعرفها جيدًا، تُشبه ما دخل منه يوم بدأ الرحلة.

ظهر أمامه الكائن الأول من جديد، لكن هذه المرة بجسد بشري تقريبًا. وجهه مألوف، كأنه يحمل ملامح أبيه، وأستاذه، وصديقه في وقتٍ واحد.

قال له:

"هذه هي اللحظة التي لا يعود بعدها شيء كما كان."

قال سليمان:

"وإن اخترت البقاء؟"

أجابه:

"ستبقى هنا… تتعلّم، وتتحوّل. ستنسى من كنت، وتصير ما تريده الأرض منك. ولكنك ستُمحى من العالم الذي أتيت منه."

قال سليمان:

"وإن عدت؟"

أجابه:

"ستحمل برجدان معك. لكنك ستعيش بثقل المعرفة. سترى ما لا يراه الآخرون، وتشعر بما لا يُفهم، وستدفع الثمن وحدك."

صمت سليمان طويلًا.

ثم سأل:

"هل عاد أحد قبلي؟"

ابتسم الكائن:

"قليلون… لكنهم لم يتكلموا. بعضهم صاروا حكماء، بعضهم صمتوا للأبد، وبعضهم ماتوا بعد العودة بأسابيع."

قال سليمان:

"هل سأموت؟"

قال الكائن:

"كل من وُلد سيموت. السؤال هو: كيف تحيا بين الولادة والموت."

اقترب سليمان من البوابتين، وضع يده على تراب العودة.

فشعر بكل ما مرّ به: مرضه، ضعفه، خوفه، ثم الماء، والصوت، والنفس، والعين الذهبية، والوحي، والوعد.

وقال بصوتٍ ثابت:

"سأعود. لأنني رأيت… ويجب أن أقول."

فتح البوابة.

أضاءت الرمال أمامه.

دخل.

وما إن خطا خطوته الأولى خارج برجدان، حتى انهارت خلفه… اختفت كما لو أنها لم تكن.

وبقي هو.

واقفًا وسط صحراء الغرب، في أول ضوء شمس.

لكن عينيه… لم تعودا كما كانتا.


🚩لا أحد يُصدّق


عاد سليمان إلى القاهرة بصمت. لا أحد انتظره. لم يكن غائبًا كفاية ليبحث عنه أحد، ولم يكن قريبًا كفاية ليشعر أحد بعودته. بدت المدينة كما تركها، ضوضاءها، ازدحامها، وجوه الناس المجهدة.


لكن شيئًا داخله لم يكن كما تركه.


لم يعد يتكلم كثيرًا. صار يراقب أكثر. يسمع أكثر. كل مشهد يراه في الشارع يُذكّره بصورة من برجدان. كل صوتٍ في السوق يُعيد له أصداء اختباراته.


عندما عاد إلى منزله، وجده كما هو. لكن الغبار الذي على كتبه بدا له أثقل من المعتاد. نظف المكان ببطء، كأنه يُزيل غبار عالم بأكمله.


جاءه صديقه المقرب، فهد، بعد يومين، وسأله:


"كنت فين؟ تليفونك مقفول، والدنيا كلها بتدور عليك."


ابتسم سليمان وقال:


"كنت في حتة… بعيد شوية."


ضحك فهد:


"حتة إيه؟ ما تقول كنت في كهف بتفكر! شكلك اتصفيت بجد."


سكت سليمان.


كيف يشرح ما رآه؟ كيف يصف اختباره للنفس، والصوت، والماء؟ من سيصدق أنه رأى كائنات من نور، وسار في أرضٍ تعي وتتنفس وتختبر؟


حاول أن يكتب. جلس ليُدوّن رحلته. لكن الكلمات كانت تخونه. كلما كتب، بدت القصة خيالية… سخيفة. وكأن برجدان لا تُكتب.


ثم قرر شيئًا.


عاد إلى عمله كباحث، لكنه لم يعد كباحثٍ عادي. بدأ يتحدث عن الطاقة غير المرئية، عن بنية الأرض، عن المياه التي تُشفي، عن رموز قديمة منقوشة في جدران الكهوف.


ضحك منه البعض. رفضه بعض زملائه. لكنه لم يتوقف.


في أحد الأيام، جاءه رجل خمسيني أنيق، يحمل بطاقة رسمية، وقال:


"سليمان عبد الظاهر؟ إحنا من جهة مهتمة ببحثك. ممكن نتكلم؟"


أخذوه إلى مكانٍ غريب، أشبه بمركز أبحاث خاص. هناك، وجد خريطة. على الخريطة، كانت هناك دائرة حمراء… في نفس موقع برجدان.


قال له الرجل:


"إحنا بندور عليها من سنين."


تجمّد سليمان.


قال الرجل:


"الناس بتفتكرها أسطورة. بس اللي زيك… نادر. إنت دخلت، مش كده؟"


لم يجب.


فقال الرجل:


"إنت مش أول واحد. لكن يمكن تكون آخر واحد رجع."


سأله سليمان:


"وإنتوا عايزين إيه؟"


رد الرجل:


"مش كل الأبواب لازم تتفتح. بس اللي فتحها… لازم نعرفه كويس."


من تلك اللحظة، بدأت لعبة جديدة.


سليمان لم يعد مجرد شخص رأى ما لا يُرى.


صار هدفًا.


لكن هذه المرة… لم يكن وحده من يعرف اسم برجدان.

🚩خريطة الرمال المتحرّكة


في الليلة التي تلت اللقاء مع الرجل الغامض، لم يغمض لسليمان جفن. جلس على شرفته، يتأمل ضوء القمر وهو ينعكس على زجاج كوب الشاي، كأنه يبحث فيه عن إجابة. كان يعلم أن عودته من برجدان لم تكن النهاية، بل بداية شيء أعقد بكثير.


في الصباح، وجد أمام بابه مظروفًا بلا اسم. فتحه، فوجد خريطة مرسومة بخط يد، على ورقة صفراء قديمة. وسط الخريطة علامة دائرية حمراء، مكتوب بجانبها:


"النقطة صفر: قلب الرمال المتحرّكة."


لكن الأغرب أن الخريطة لم تكن مطابقة لأي خريطة صحراء مصرية معروفة.


كانت الطرق تتحرك.


نعم… الطرق نفسها، حين ينظر إليها بعينٍ واحدة فقط، تُرى على شكل معين، لكن حين يُغمض إحدى عينيه، تتبدل الاتجاهات. وكأن الخريطة لا تُقرأ إلا بمنظور خاص.


في الزاوية السفلى، كُتب بالحبر الأسود:


"من رأى… لا يمكنه التراجع."


قرر سليمان أن يحتفظ بالخريطة، لكنه شعر أنها ليست مجرد دليل لمكان… بل لزمن آخر.


في اليوم التالي، جاءته رسالة من رقم غير مسجَّل: "الخريطة الثانية معك؟"


لم يجب.


ثم جاءت رسالة أخرى: "الطريق يتبدّل كل سبعة أيام. إن لم تصل للنقطة التالية، ستُغلق."


بدأ يشعر أن برجدان لم تُغلق كما ظن… بل ما زالت مفتوحة، ولكن ليس للجميع. فقط لمن عبر… ونجا.


عاد سليمان لدفاتره القديمة. قارن الخريطة برموز قديمة رآها في سيوة. تذكّر تماثيل كانت تلمّح لطرق تحت الأرض، ورموز تُشير لنجوم لا تظهر في السماء المصرية إلا مرة كل ألف عام.


ثم استعاد لحظة معينة في برجدان… حين وقف أمام شجرة الذكريات، ورأى ومضة سريعة لصورة خريطة… تُشبه هذه.


قال لنفسه:


"الجن لم يُخفوا الأرض فقط… بل أخفوا طريق الوصول إليها بداخل من زاروها."


في اليوم التالي، اتجه إلى منطقة الصحراء الغربية، ولكن هذه المرة لم يكن وحده.


تبعته سيارة سوداء… لمسافات طويلة.


ثم اختفت.


ثم ظهرت ثانية… أمامه.


وتوقفت.


وخرج منها رجلٌ جديد… يحمل في يده خريطة تشبه ما يملك.


وقال:


"نحتاج أن نتحدث… فخريطة واحدة لا تكفي."

🚩من عادوا قبلك


وقف الرجل أمام سليمان، طويل القامة، عيونه بلون الرمال، وفي ملامحه شيء غريب… كأنه رأى ما رآه سليمان، وعاش ما عاشه.


قال له بهدوء:


"أنا اسمي رؤوف… وعدت من برجدان قبلك بثلاث سنوات."


تجمد سليمان. لم يتوقع أن يقابل شخصًا مرّ بتجربته. كانت الفكرة نفسها مرعبة… ومطمئنة في آنٍ واحد.


أشار رؤوف إلى صندوقٍ صغير يحمله:


"هنا الخريطة الثانية. لكنها لا تعمل وحدها. تحتاج خريطتك لتكتمل. هذه ليست مجرد طرق… بل متاهة من الزمن والوعي."


جلسا على صخرة قريبة، ومدّ رؤوف الخريطة، ووضعها بجانب خريطة سليمان. حين التقتا، ظهر بينهما خط ثالث، لم يكن مرسومًا في أي منهما.


قال رؤوف:


"هذا الخط… لا يظهر إلا إذا التقى اثنان من الناجين. ولهذا كنا نبحث عنك."


سأله سليمان:


"من تقصد بـ نحن؟"


رد رؤوف:


"هناك مجلس غير رسمي… مكوّن من من عادوا من برجدان. قليلون، لكننا نعلم أن الأرض لا تختار عبثًا. كل من عاد، تغيّر… لكنه بقي حيًا. ونحن الآن نحاول أن نفهم."


سأله سليمان:


"تفهموا إيه؟"


قال رؤوف:


"الرسالة. برجدان مش مجرد أرض… دي كيان واعي. ولما بتختار حد، بتسيب جواه أثر، ومفتاح. إحنا بنحاول نجمع المفاتيح. لأن في حدث جاي… الأرض بتستعد له."


صمت للحظة، ثم نظر في عيني سليمان:


"وإنت… معاك أكتر مفتاح مميز شوفناه. لأنك أول من اجتاز الاختبارات الثلاثة… وطلب العودة بكامل إرادته."


سأل سليمان:


"وهتعملوا إيه بالخرايط؟"


أجاب رؤوف:


"نفتح البوابة التانية."


قال سليمان بذهول:


"في بوابة تانية؟"


قال رؤوف:


"في سبع بوابات، مش واحدة. أنت دخلت الأولى… من الرمال. بس في واحدة تفتح من السماء… وواحدة من الماء… وواحدة من الصوت… وكل واحدة محتاجة وعي معين ومفتاح بشري خاص."


صمت سليمان طويلاً.


ثم قال:


"أنا معاكم… بس لو حسّيت إن في حاجة غلط، همشي."


ابتسم رؤوف:


"ده شرط كل واحد فينا. بس للأسف… الخروج مش دايمًا ممكن بعد ما تبدأ."


ثم أخرج من جيبه حجرًا صغيرًا، أعطاه لسليمان.


كان الحجر ناعمًا، لكنه بدا حيًا، ينبض.


قال رؤوف:


"ده رمز الربط. من اللحظة دي… بقيت جزء منّا."

🚩مجلس العارفين


أخذ رؤوف سليمان إلى مكان لم يكن على الخريطة، ولا على أي نظام ملاحة. عبر طرقًا جانبية، وممرات رملية ضيقة، حتى وصلا إلى وادٍ رملي تحيطه تلال صخرية أشبه بقلعة طبيعية.


في قلب الوادي، كانت هناك خيمة سوداء ضخمة، لا تشبه أي خيمة بدوية عادية. كانت مشدودة على أعمدة معدنية غريبة، تنبعث منها طاقة خفيفة، يمكن الإحساس بها أكثر من رؤيتها.


قال رؤوف:


"هنا بيتجمّعوا الناجين. بنسميه: مجلس العارفين."


دخل سليمان وراءه. في الداخل، كانت هناك دائرة حجرية واسعة، يجلس حولها سبعة أشخاص، رجال ونساء من أعمار مختلفة. لم يكن في وجوههم أي ملامح استعراضية، بل نظرات ثاقبة، وكأن كل واحدٍ منهم قد عاش ألف عمر.


قال رؤوف:


"ده سليمان. اجتاز الثلاث اختبارات… وعاد باختياره."


ساد الصمت. ثم تحدثت امرأة خمسينية، ذات وشم قديم على معصمها:


"إذن هو حامل الرؤية… النداء الثاني بدأ."


سألها سليمان:


"يعني إيه النداء التاني؟"


قال رجل أصلع بجوارها:


"النداء الأول كان لمن تم اختيارهم للدخول. لكن النداء الثاني… لمن يجب عليهم أن يفتحوا ما لم يُفتح بعد."


قالت المرأة:


"من رأى برجدان وعاد حيًا… صار مكلفًا."


قال آخر شاب، عيونه زرقاء بطريقة غير بشرية:


"لكن مش كل من عاد… يحتمل. في ناس فقدت عقلها. وفي ناس اختفت فجأة."


سأل سليمان:


"وإيه اللي هنعمله؟"


قال رؤوف:


"كلنا شايلين جزء من الخريطة، وجزء من الرسالة. ومع ظهور كل حامل جديد، بتكتمل صورة. دلوقتي، معاك حجر، ومعاه إحساس. الحجر هيبدأ يتفاعل مع أماكن معينة، ويقودك، ويقودنا."


قالت المرأة:


"بس في حاجة لازم تعرفها. من اللحظة اللي تبدأ فيها المرحلة التانية… مش هتقدر تتراجع."


نظر سليمان حوله، ثم قال:


"أنا بدأت الرحلة لوحدي. بس دلوقتي حاسس إني ماشي في طريق أكبر مني. بس ما دام وصلت هنا… مش هقف."


نهض الجميع، وتقدّموا نحو منتصف الدائرة.


أخرج رؤوف وعاءً صغيرًا من المعدن الأسود، وضع فيه الحجارة السبعة.


ثم أضاف سليمان حجره.


وفجأة… اشتعل الوعاء بنورٍ ذهبي، ارتفعت منه خريطة هوائية، مرسومة بالضوء… فيها سبع دوائر، تدور حول نقطة سوداء في المنتصف.


قالت المرأة:


"البوابة التانية… فتحت."

وساد الصمت… لكن في عيون الجميع، كان هناك شيء واحد: الخوف.

🚩البوابة الثانية


بعد أن ارتفعت الخريطة الهوائية من وعاء الحجارة السبعة، بدأت تدور ببطء، ثم توقفت عند الدائرة الثانية، التي تلتمع بلون أزرق فوسفوري.


قالت المرأة صاحبة الوشم:


"الدائرة دي… بوابة الماء الأعلى. لا تُفتح إلا إذا اجتمع حاملان متناسقان. سليمان، ورؤوف… أنتما الاثنان."


تبادل الاثنان النظرات. لم يكن الأمر اختيارًا، بل نداءً خفيًا في الداخل، كأن شيئًا في دمهما يعرف الطريق.


خرج الجميع من الخيمة مع الفجر، توجهوا بسيارات الدفع الرباعي نحو منطقة غريبة من الصحراء… حيث لا توجد لا رمال ولا جبال، بل أرضٌ مستوية، بلون أبيض مائل للزرقة.


قال رؤوف:


"المكان ده مش ظاهر على الأقمار الصناعية. ودرجة الحرارة فيه أقل من المتوسط بخمس درجات… دايمًا."


في وسط تلك الأرض، كان هناك تكوين صخري دائري، يشبه البحيرة الجافة.


لكن حين اقتربوا، تحوّل الهواء فجأة إلى بخار رطب، وصار التنفّس أثقل.


قال سليمان:


"أنا حسّيت بده قبل كده… في نفق الماء داخل برجدان."


تقدّما إلى قلب الدائرة، وكل واحد يحمل حجره.


ثم وضعا الحَجَرين في تجويفين دقيقين وسط الصخر، فاهتزت الأرض، وسُمِع صوت أشبه بالهمس:


"أأنتما جاهزان لتجديد العهد؟"


قالا معًا:


"نعم."


فانشقَّت الأرض تحت قدميهما، وظهرت بحيرة صغيرة، مياهها زرقاء كالسائل المشع، تطفو فيها جُزر من الضوء.


قالت المرأة صاحبة الوشم:


"بوابة الماء الأعلى ليست اختبارًا… بل تطهير. من يعبرها، يخرج وقد فُكَّت عنه كل بقايا العالم الأول."


نظر إليها سليمان:


"يعني مش هرجع زي ما دخلت؟"


قالت:


"لا أحد يخرج منها كما كان."


نظرا لبعضهما، ثم نزلا إلى الماء.


ما إن غمرتهما المياه، حتى اختفى الصوت، والضوء، وكل ما يربطهما بالعالم.


ودخلا… البوابة الثانية.


🚩عُمْق الماء


حين غمر الماء جسديهما بالكامل، اختفى الإحساس بالزمان والمكان. لم يكن هناك فوق أو تحت، لا جاذبية، ولا صوت، ولا حتى شعور بالبرودة أو الرطوبة. فقط نورٌ أزرق شفاف، يحيط بكل شيء ويملأ القلب قبل العين.


شعر سليمان أن جسده يُمحى بالتدريج… لا ألم، فقط خفة، كأنه يعود إلى نواة طاقته الأصلية.


ثم… بدأ يسمع همسات، لكن ليس في أذنه، بل داخل عقله. كانت الهمسات بلغات متعددة، بعضها عرفه، وبعضها أحسّه فقط.


"من أنت قبل الاسم؟ من تكون قبل أن تُولد؟ ما بقي منك حين يُسلب منك كل شيء؟"


كان رؤوف إلى جانبه، وعيناه مفتوحتان، لكن بلا نظرة. كلٌّ منهما دخل إلى عمق ذاته. رأى سليمان صورًا من طفولته، من لحظات ضعفه، من أول دمعة سقطت منه في العزلة، من أول شعور بالغضب، ومن كل لحظة تمنّى فيها أن يكون غير ما هو عليه.


ثم سمع صوتًا… ليس كالصوت البشري:


"لك أن تُعاد تشكيلك… أو أن تذوب وتبدأ من جديد."


وفجأة، انبثق من النور الأزرق شعاع أبيض اخترق صدره، لكنه لم يُشعره بألم، بل بنشوة… كأن شيئًا في قلبه كان مغلقًا لقرون، وها هو يُفتح الآن.


تحرّك النور داخله، وبدأ يرى دوائر متداخلة، فيها رموز وحروف، أشكال لا تشبه الأبجدية، لكنها مفهومة… بطريقةٍ ما.


ثم تلاشى كل شيء.


ووجد نفسه مستلقيًا على حافة البحيرة الزرقاء، ورؤوف بجانبه… كلاهما عاريان من الذاكرة، مغموران بضياء الفجر.


قال رؤوف بصوتٍ متعب:


"أنا… مش زي ما كنت."


رد سليمان، والدموع في عينيه:


"ولا أنا. بس حاسس إني… جديد."


ظهرت المرأة صاحبة الوشم من بين الصخور، نظرت إليهما وقالت:


"اجتزتما البوابة الثانية. والآن… عليكما أن تستعدا… لما بعدها."


نظر إليها سليمان وسأل:


"في كام بوابة باقيين؟"


قالت:


"خمس. لكن الثالثة… ليست في الأرض."


وتوقّف الزمن مرة أخرى، عند هذا التصريح.


🚩البوابة التي لا تُرى


عندما سمع سليمان أن "البوابة الثالثة ليست في الأرض"، لم يفهم في البداية. لكن المرأة ذات الوشم نظرت إليه بنظرة لم يرَ مثلها من قبل… مزيج من الشفقة والرهبة.


قالت:


"البوابة التالية لا تُفتح بخطوات، ولا تُرسم على خريطة. إنها تُستدعى."


سألها:


"إزاي يعني؟"


قالت:


"هي بوابة تقع بين الحلم واليقظة، بين الصحو والموت، في المسافة التي لا يراها العقل."


بدأ رؤوف يتحدث، صوته كان خافتًا:


"فيه تلاتة بس من المجلس قدروا يوصلوا لها. واحد فقد لسانه. والتاني مات بعدها بسبع أيام. والتالت… اختفى."


قالت المرأة:


"لكنهم لم يكونوا أنت."


في تلك الليلة، طلبوا من سليمان أن يبيت وحده في وادٍ مظلم، لا شيء فيه إلا صخرة ناعمة في المنتصف، ومصباح زيت لا ينطفئ.


أخبروه:


"إن أردت أن تُفتح لك البوابة… يجب أن تطلبها من داخلك، لا من فمك."


جلس سليمان وحده، وأطفأ المصباح.


فجأة، لم يعد يرى شيئًا، حتى يديه. شعر أنه في فراغ من الحبر.


ثم… بدأ يرى ومضات. ليست صورًا، بل مشاهد حية، من أماكن لم يزرها، ومن أزمنة لم يعشها. رأى نفسه جنديًا في حضارة قديمة. رأى طفلًا يبكي في حرب عالمية. رأى شيخًا يقرأ في مكتبة قبل أن تحترق.


ثم رأى وجهه… لا كما هو، بل كما كان سيكون… لو وُلد في زمن آخر.


قال صوتٌ داخله:


"افتح عينيك… داخل الحلم."


فعل.


ووجد نفسه واقفًا على منصة من زجاج معلّق في الهواء، تحته دوامات من السحب والنجوم.


وفي الأفق… بوابة من نورٍ أبيض، لا يمكن النظر فيها مباشرة.


قال له الصوت:


"هذه هي البوابة الثالثة. لن تدخلها بجسدك. ولكن… بعقلك وروحك. إن عدت منها، ستعرف ما لا ينبغي أن يُعرف. وإن لم تعد… فلن تبقى شيئًا."


قال سليمان:


"أنا مستعد."


وخطا إلى النور.


🚩أرشيف الذاكرة الأولى


حين عبر سليمان بوابة النور، شعر أنه يتفكك إلى ذرات، ثم إلى طيف، ثم إلى فكرة. لم يكن له جسد، ولا صوت، ولا حتى اسم. كان وعيًا خالصًا، يتحرّك في فضاء شفاف، لا يعرف إن كان يمتدّ أم يلتفّ حول نفسه.


ظهر أمامه مبنى لا يمكن إدراك أبعاده. جدرانه مصنوعة من ضوءٍ مُنمنم، ونقوش تتحرك كأنها تتنفس.


قال له صوت لم يأتِ من جهة محددة:


"أهلاً بك في أرشيف الذاكرة الأولى… هنا تُخزّن اللمحة الأولى لكل شيء خُلق."


تقدّم سليمان داخل المكان. لم تكن هناك أبواب، بل أفكار. كلما فكّر في شيء، انفتح أمامه ممر، كأن الفكرة نفسها تصنع الطريق.


فكر في الأرض… فانفتح نفق أخضر طويل، يمتلئ بصورٍ لأراضي قبل أن يُعرف اسمها. رأى الكوكب في صورته البدائية: نار وماء، ثم انفجارات، ثم أمطار… ثم ظهرت قارات، وانفصلت، ثم تقاربت…


ثم سمع صوتًا داخليًا يقول:


"تلك ليست الجغرافيا… بل ذاكرة الأرض عن نفسها."


فكّر في الكائنات… فرأى الحنّ والبن، لا كما كان يتخيل، بل كما كانوا: أجساد شفافة، لكنها مادية. لا يتحدثون بالكلمات، بل بالذبذبات. أعمارهم تقاس بالدورات الكونية، لا بالسنين.


رأى حروبهم مع الملائكة، رأى كيف كانت برجدان آخر معاقلهم. وكيف كانوا يعرفون أن نهايتهم ستأتي… فزرعوا في الأرض خزائن أسرارهم. بعضها طافٍ في الماء، وبعضها مغمور في الرمل، وبعضها… في البشر أنفسهم.


ثم سمع الصوت مجددًا:


"كل من اختاره النور… يحمل بذرًا من الذاكرة الأولى."


رأى نفسه. لكن لا كما هو الآن، بل في صور متعدّدة:


سليمان في عالم لا كهرباء فيه.


سليمان في مدينة من زجاج.


سليمان طفلًا يولد من شعاع.



فهم حينها أنه ليس مجرد فرد، بل نقطة تقاطع لخطوط كثيرة.


فكّر في المستقبل… فرأى مشاهد لا يفهمها تمامًا:


مدن بلا بشر.


بشر بلا وجوه.


آلات تصلي، وقلوب تنطفئ.



قال الصوت:


"الذاكرة لا تُريك ما سيكون، بل ما يمكن أن يكون… إن اخترت."


ثم ظهرت بوابة دائرية أمامه، محفوفة بهالات ذهبية.


قال الصوت:


"لك أن تعود… أو تبقى. فإن عدت، فلتعد بما رَأيت. وإن بقيت… لن تعود أبدًا كما كنت."


قال سليمان:


"سأعود… فالرسالة لم تكتمل بعد."


وانسحب الضوء… وعاد الظلام.


ثم… استيقظ.


لكن حين فتح عينيه، كان في مكان آخر…


مكان لم يكن موجودًا في أي خريطة.

🚩ما بعد الخريطة


عندما فتح سليمان عينيه بعد عودته من أرشيف الذاكرة الأولى، لم يكن في الخيمة، ولا في الوادي، ولا حتى في أرض يعرفها.


كان مستلقيًا فوق تربة حمراء داكنة، والسماء من فوقه تميل إلى الرمادي البنفسجي، لا شمس ولا قمر، بل نور خافت يأتي من كل اتجاه بلا مصدر واضح.


نهض ببطء، يشعر أن عضلاته تتحرك ببطء… كأن الزمن نفسه ثقيل هنا.


تلفّت حوله، فلم يجد أثرًا لأي بشر. فقط كثبان مستوية، وجدران من صخر أملس، لا طبيعة فيه، كأنه مصقول بعناية فوق أرض ليست أرضًا.


قال في نفسه:


"أنا فين؟ هل ده حلم… ولا بعد البوابة؟"


ثم سمع الصوت… لكنه لم يكن من خارج رأسه، بل من داخله، تمامًا كما في الأرشيف:


"لقد دخلت المنطقة التي لم تُرسم بعد. الأرض بعد حدود الخريطة."


سار بلا هدف واضح، حتى لمح من بعيد جسمًا أسود كبيرًا. اقترب، فوجده بناءً هائلًا بلا أبواب، كأنه نصف هرم مقلوب، يغرس رأسه في الأرض، وقاعدته إلى الأعلى.


ما إن لمس جدار البناء حتى انسحب جزء منه إلى الداخل، وظهر ممر ضيق. دخل.


كان كل شيء صامتًا. لا هواء. لا صوت. فقط ذبذبة خفيفة في العظم.


ثم رأى على الجدران رموزًا غريبة، ليست لغة، بل طاقة. كل حرف كان يهتز أمامه، يتوهّج، ثم يتلاشى. وعندما حاول لمس أحدها، سمع جملة واضحة:


"أنت الآن في الطبقة الخامسة من برجدان. طبقة العزلة المطلقة."


كان يعرف من خريطة المجلس أن برجدان بها سبع طبقات، لكن لم يتحدث أحد عن الخامسة. كانت محذوفة. مسحوبة من السجلات.


فجأة، شعر بشيء خلفه.


التفت… ولم يجد أحدًا.


لكن صوته سُمِع.


"مش كل اللي دخلوا هنا… خرجوا."


ظهر رجل طويل، نحيف لدرجة مزعجة، يرتدي ملابس من قماش غير معروف، ووجهه مغطى بقناع نحاسي.


قال سليمان:


"إنت مين؟"


رد بصوتٍ أجوف:


"كنت زيك. فتحت البوابة الثالثة… واخترت البقاء. والآن… أنا حارس الطبقة دي."


قال سليمان:


"يعني مفيش خروج؟"


قال:


"الخروج مش بالجسد. لازم تعثر على صدرك الثاني."


سأل سليمان:


"صدري التاني؟!"


قال الرجل:


"في كل إنسان خزينة داخل صدره… وخزينة داخل ما يُخفيه عن نفسه. إن لم توحّدهما… لن تغادر."


ثم تراجع الرجل في الظل، واختفى.


وساد الصمت… وبدأت الجدران تتغيّر.

🚩صدرك الثاني


ظل سليمان وحده في قاعة الصخور الصامتة، يدور حول نفسه، يتنفس بثقل، وجدران المكان تُغير تكوينها كل دقيقة.


لم يكن يعرف كيف يبدأ… أو ما المقصود بـ"صدره الثاني".


جلس القرفصاء، وأغمض عينيه. لكن هذه المرة، لم يدخل في تأمل… بل في مواجهة. انفجرت الصور داخله، كالبرق. لم تكن ذكريات، بل مشاعر مركّبة.


رأى مشهدًا لطفولته… وهو يختبئ من والده خوفًا من العقاب، ويشعر بالذنب. رأى نفسه وهو يضحك على حزن غيره، لمجرد أنه نجا. رأى كل لحظة كبَتَ فيها شعورًا حقيقيًا فقط ليبدو قويًا.


ثم ظهر أمامه مجددًا… الظل. ذلك الكائن الذي واجهه في اختبار النفس.


قال الظل:


"ظننتَ أنك تخلّصت مني؟ أنا فقط كنت نائمًا… في صدرك الثاني."


أمسكه الظل من كتفه، وسحبه داخله… حرفيًا.


وجد نفسه داخل عالم داخلي، يشبه قلبًا ضخمًا ينبض، لكنه ليس عضلة… بل مكان. جدرانه مشاعر، وأرضه قرارات، وسقفه آمال معلقة.


قال الصوت:


"هنا تُخبأ الطبقة التي لا تريد مواجهتها. في صدرك الأول، ما تُظهره. وفي الثاني… ما تُخفيه حتى عن نفسك."


بدأت الجدران تعرض عليه مشاهد لم يرد تذكّرها:


كيف شعر بالغيرة من صديقه المقرب الذي سبقه في نشر بحث علمي.


كيف تمنّى زوال نجاح أحد زملائه فقط ليُبرز هو.


كيف استخدم المرض كدرعٍ ليهرب من مسؤوليات معينة.



انهار على الأرض، وبدأ يبكي.


فقال له الصوت:


"أنت لست ما شعرت به… بل ما فعلته بعده."


قال سليمان:


"أنا… بشر. بس حاولت أصلّح دايمًا. حاولت أكون أفضل."


فأضاء المكان بلون ذهبي، وسمع نبضًا جديدًا، لا يشبه القلب… بل يشبه بداية شيء حي.


ثم سمع النداء:


"إذا وحّدت بين صدرك الأول والثاني… فإنك لم تعد شخصًا، بل مرآة."


وسمع دويًا خافتًا… وخرج من الظل.


كان وحده في القاعة، لكن الجدران كانت ساكنة الآن… لأول مرة.


وظهر بابٌ حجريّ في الجدار المقابل، محفور عليه رمزٌ مزدوج: قلبان يتداخلان.


فتح الباب… وخرج.


لكن لم يكن كما دخل.


كان أخف… وكأن شيئًا قد أُزيل من روحه.


🚩بوابة المرآة


حين خرج سليمان من بوابة القلبين المتداخلين، لم يجد أرضًا، بل انعكاسًا.


كل شيء من حوله كان لامعًا، كأن المكان كله مرآة ضخمة، تمتد بلا حدود.


لكنه لم يرَ انعكاس صورته المعتادة. بل رأى نسخًا منه… في كل عمر، في كل خيار، في كل قرار لم يتخذه.


نسخة منه اختارت أن تُكمل دراسة الطب بدلًا من العلوم. نسخة اختارت أن تسافر وتترك كل شيء. نسخة أصبحت ثريًا ظالمًا. نسخة فقيرة، لكن حرة. نسخة لم تُطعَّم ضد كورونا، فمات. نسخة أخرى قاومت المرض، وصارت باحثًا عالميًا.


لكل نسخة ظلّ مختلف، ومصير مختلف، ومشهد ينتظر.


قال صوتٌ في داخله:


"أمامك الآن الحقيقة الكاملة: أنك لست واحدًا… بل احتمالات لا نهائية. بوابة المرآة لا تُفتح إلا إذا اخترت… من تكون."


قال سليمان:


"أنا اخترت كتير قبل كده… بس دلوقتي؟ محتاج أختار من جديد؟"


رد الصوت:


"لست تختار الماضي… بل المستقبل."


ثم ظهرت دائرة نور في وسط المرايا، وفيها مجسمٌ يشبه قلبه، ينبض. ليس دمًا… بل ضوءًا.


قال له الصوت:


"اقترب… المس قلبك، واختر الشكل الذي تريده لنفسك خارج برجدان."


اقترب سليمان، ومدّ يده.


لكن قبل أن يلمس، مرّ بجانبه طفل صغير… نسخة منه عمرها 8 سنوات، كان يبكي ويقول:


"بس أنا عايز أكون اللي أنا عليه دلوقتي… مش أكتر ولا أقل."


تجمّد سليمان.


ثم قال:


"مش عايز أبقى نسخة معدّلة… عايز أخرج زي ما أنا، بكل اللي اتعلّمتُه، بكل أخطائي."


ارتجّت الأرض، وانشقّت المرآة، وظهر خلفها ممر من الغيم.


قال الصوت:


"لقد فتحت بوابة الصدق. وهي أعظمها."


دخل سليمان الغيم، لا خائفًا، ولا تائهًا… بل متصالحًا.


كان يعلم أن ما ينتظره ليس فقط الخروج من برجدان، بل حملها معه.

🚩آخر نداء من برجدان


سار سليمان في ممر الغيم، وكل خطوة يأخذها كانت تصنع خلفه طبقة من الضوء، وكأن الزمن يُعيد بناء أثره بعد أن يمر.


لم يكن يعلم إلى أين يذهب، لكنه شعر بأن وجهته هذه المرة ليست اختبارًا، بل توديعًا.


كان الغيم يتحول إلى رماد ناعم، ثم إلى هواء دافئ، ثم إلى شعاع شفاف. وكأن برجدان تتفكك ببطء أمامه.


ثم سمع الصوت. هذه المرة كان الصوت أنثويًا، عذبًا، يأتي كالغناء:


"هل حسبتَ أن برجدان كانت مكانًا؟ برجدان كانت مراياك… وكانت مرآتنا."


قال سليمان:


"مين أنتم؟"


رد الصوت:


"نحن صُنّاع البرزخ… نحن من زرع أول حجر في أعماقها. لسنا ملائكة، ولا جنّ، ولا بشر. نحن انعكاس النوايا الأولى… حين اختار أحدٌ أن يعرف أكثر مما يُسمح له."


توقّف الممر، وظهر أمامه جبل بلوري، يتصاعد منه ضوء خافت.


على قمته… شاهد هيئة لا تُرى بوضوح، تحيط بها أسراب من طيور ليست كطيور الأرض، وأشكال هندسية تطير، كأنها كائنات حية.


قالت الهيئة:


"سليمان… لقد رأيت. وقد مررت. فهل عرفت لماذا كنت أنت؟"


قال:


"مش دايمًا… لكني حاسس إن كل خطوة ليّ كانت مطلوبة."


قالت:


"أحيانًا… لا يُطلب من الباحث أن يفهم، بل أن يشهد."


اقترب من الجبل، ففُتح أمامه طريق شفاف، كأن الأرض نفسها سمحت له بالعبور.


كل خطوة كانت تُعيد إليه مشهدًا مما مرّ به:


عيون المرأة في بوابة الرمل.


وجه الظل في اختبار النفس.


صوت الطفل عند بوابة المرآة.



قالت الهيئة:


"ما حملته معك… هو النور. لكن النور ثقيل."


قال سليمان:


"أنا جاهز أحمله. بس… هرجع؟"


ردت:


"لن تعود كما كنت… ولن تبقى كما نحن. ستكون جسرًا."


ثم رفعت يدًا من ضوء… وقالت:


"باسم من لا يُرى… نُعيدك إلى زمانك، لا لتُبشر… بل لتتذكّر."


وانفجر النور.


سقط سليمان من السماء كذرة نور… وارتطم بجسده مرة أخرى.


فتح عينيه… فوجد نفسه في مكان مألوف. في سيارته… في منتصف الصحراء. الساعة تشير إلى نفس الوقت الذي دخل فيه. لكن قلبه… لم يكن كما كان.


🚩العودة إلى الرمال


حين فتَح سليمان عينيه داخل سيارته، شعر وكأن جسده قد وُلد من جديد. تنفّسه عميق، وعيونه ترى العالم بطبقة إضافية لم تكن موجودة.


أدار محرّك السيارة، لكنه لم يتحرّك. جلس صامتًا، يراقب الصحراء أمامه، وكأنها تحاول أن تختبره مرة أخيرة.


أخرج من جيبه ورقة… لم يتذكّر أنه كان يحملها. كانت خريطة مرسومة بخط اليد، تظهر مجرى الماء، وعين الذهب، وموقع بوابة الرمال.


قال في نفسه:


"برجدان… سابتلي علامة."


عاد أدراجه نحو المدينة.


في الطريق، كل شيء بدا مألوفًا، لكن إحساسه بالأشياء تغيّر. الناس تسير بعجلة، وهو يسير بهدوء. الجميع يركض نحو شيء… وهو عاد من شيء.


وصل إلى بيته، فوجد والدته تبكي وهي تحتضنه. كان غيابه قد تجاوز يومًا واحدًا فقط.


"أنت فين يا ابني؟! الشرطة دورت عليك… وإحنا كنا بننهار!"


ابتسم سليمان، واحتضنها، وهمس:


"كنت في مكان… مفيش خريطة بتوصله."


عاد لحياته اليومية، لكنه لم يعد كما كان. جلساته مع أصدقائه تغيرت. نظرته للعلم تغيّرت. حتى أبحاثه في الكيمياء… بدأ يرى فيها ما لم يكن يراه.


ذات يوم، قدّم ورقة علمية عن "التركيب البلوري للماء تحت تأثير الذبذبات الروحية". ضحك عليه بعضهم… لكن المجلة قبلت الورقة، وبدأت الضجة.


ثم جاءه اتصال:


"دكتور سليمان؟ نريد أن نستضيفك في مؤتمر عالمي للطاقة والمادة."


سافر. قدّم رؤيته عن برجدان، لكن دون أن يذكر اسمها. قال:


"هناك أماكن تحت الأرض، فيها طاقة محفوظة منذ فجر الخلق. طاقة يمكنها شفاء الأمراض، وتوليد المعرفة، وتغيير النفس."


سأله أحدهم:


"هل جربتها بنفسك؟"


قال:


"لم أزُر المكان فقط… بل عدت منه."


بدأت الأسئلة تتلاحق. وبدأ اسمه ينتشر.


لكن سليمان لم يكن يبحث عن الشهرة. كان ينتظر فقط… أن يعود إلى هناك، يومًا ما.

🚩الذين لم يذهبوا… والذين لم يعودوا


بعد مرور عام على عودة سليمان، كانت حياته قد تغيّرت بالكامل.


نُشرت أبحاثه في مجلات علمية كبرى، وترجمت إلى أكثر من عشر لغات. لكنه لم يتحدث أبدًا عن اسم "برجدان" صراحةً. فقط رموز، إشارات، خرائط قديمة، ومعادلات عن الماء والذاكرة.


بدأ آخرون يطرحون أسئلة… وظهر باحثون جدد، يحاولون العثور على "البوابة".


لكنه كان يعرف: البوابة لا تُفتح لمن يبحث بعينه… بل بقلبه.


في مؤتمر دولي في طوكيو، سأله أحدهم:


"دكتور سليمان… هل تؤمن بوجود أراضٍ غير مكتشفة داخل كوكب الأرض؟"


ابتسم وقال:


"أنا لا أؤمن فقط… بل عُدت منها."


في المساء، عاد إلى الفندق، فوجد رسالة بخط يد قديم على منضدته:


"عاد بعضهم… ولم يعد بعضهم الآخر. لكن ما بين الاثنين… قصة لا تنتهي.


حارس الطبقة الخامسة."



تجمّدت يداه.


وفي اليوم التالي، تلقّى اتصالًا من رقم غير مسجّل:


"حان وقت الجولة الثانية."


أغلق الهاتف، ووقف أمام النافذة.


كانت السماء تمطر بخفة… ورائحة المسك، التي لم تفارقه منذ برجدان، تزداد وضوحًا.


ابتسم.


وقال:


"لسّا الحكاية مبتدأتش."


ثم أغلق الستارة… وبدأ يجهّز حقائبه.



تعليقات

المشاركات الشائعة