السراديب
✍️ الفصل الأول – "ظل الجامعة"
كانت القاهرة، في ذلك اليوم من أغسطس، تختنق بحرارتها المعتادة. شمس الظهيرة تضرب واجهات المباني الرمادية التي غطتها طبقات من الغبار، والناس يتدافعون في الشوارع كأنهم أسراب نمل تبحث عن مهرب. وسط هذه الفوضى، كانت جامعة القاهرة تقف شامخة، بقبابها العتيقة وأسودها الحجرية، كحارس صامت لمدينة لا تهدأ.
داخل كلية الآداب، في قسم الفلسفة، كان محمود يجلس في مكتب ضيق يطل على الساحة الداخلية. محمود شاب في أواخر العشرينات، عيناه غائرتان من السهر، وعلى مكتبه أكوام من الكتب بالإنجليزية والعربية، أوراق مبعثرة، وأكواب قهوة فارغة. كان يحاول أن يكتب فصلاً جديدًا في رسالته للدكتوراه عن "الميثولوجيا في المخيال الشعبي المصري"، لكنه توقف أمام شاشة الحاسوب، يتأمل سطرًا فارغًا لا يعرف كيف يملؤه.
دخل عليه صديقه كريم، الباحث في الكيمياء الحيوية، بملابس غير مرتبة، وعلى كتفه حقيبة مليئة بالكتب والدفاتر. كريم كان عكس محمود في الطباع: صاخب، سريع الكلام، دائم الحماس. ألقى الحقيبة على الكرسي المقابل وقال وهو يلهث:
– "يا ابني، سمعت آخر خبر؟"
رفع محمود رأسه ببطء، وكأنه خرج من غيبوبة قصيرة:
– "خير؟"
– "مش خير خالص… الدكتور حلمي والدكتورة نوال اختفوا!"
تجمدت ملامح محمود. حلمي ونوال لم يكونا مجرد أساتذة عاديين، بل كانا من أكبر الأسماء في الكلية: حلمي أستاذ الفلسفة السياسية الذي تخرّج على يده عشرات الباحثين، ونوال عالمة الآثار التي عُرفت باكتشافاتها المثيرة في الواحات البحرية. كانا في رحلة بحثية مشتركة منذ أسبوع، ولم يعد أحد يسمع عنهما شيئًا.
قال محمود بلهجة مشككة:
– "اختفوا إزاي يعني؟ حدّ بلغ عنهم؟"
– "آه، الجامعة نفسها في حالة هلع. بيقولوا آخر مرة اتشافوا كانوا في سيوة، في منطقة اسمها… وادي الجب."
هنا انتفض محمود من مكانه. الاسم ضرب في داخله وترًا غامضًا. "الجب" ليس كلمة عابرة، بل رمز متجذر في التاريخ والدين. تذكر على الفور قصة يوسف في القرآن، حين أُلقي في الجب. تذكر أيضًا الحكايات الشعبية التي كانت جدته ترويها له عن "آبار الأرواح" و"سراديب ما تحت الأرض".
ابتسم كريم ابتسامة مترددة وقال:
– "عارف يا محمود، بيقولوا إن الوادي ده محدش بيرجع منه. في ناس من البدو بيعتبروا المكان ملعون. وأنا… بصراحة… نفسي أروح أشوفه."
نظر إليه محمود بدهشة:
– "إنت مجنون؟!"
– "مجنون آه… بس يمكن هناك هنلاقي حاجة مهمة. مش غريبة إن اتنين من أساتذتنا يختفوا فجأة من غير أثر؟"
ساد الصمت لوهلة. أصوات الطلبة في الممرات، أزيز المراوح القديمة، ورائحة الورق القديم، كل شيء بدا وكأنه يضغط على صدر محمود. في داخله، كان هناك شيء يهمس: أن هذه الحكاية ليست مجرد "رحلة ضايعة"، بل بداية طريق سيغيّر حياتهم.
---
في اليوم التالي، اجتمع مجلس الكلية في قاعة كبرى، مليئة بالأساتذة والطلاب. الكل يتحدث في فوضى: بعضهم يلمّح لمؤامرة أجنبية، آخرون يتحدثون عن حوادث اختطاف، وقلة يجرؤون على ذكر كلمة "الجب" بصوت منخفض وكأنها نذير شؤم.
رئيس الجامعة حاول تهدئة الحضور:
– "رجاءً… رجاءً يا زملاء. الموضوع تحت السيطرة. اتصلنا بالجهات المعنية، وجارٍ البحث عن الدكتور حلمي والدكتورة نوال. لن نسبق الأحداث."
لكن محمود لم يكن مطمئنًا. عيناه تلتقطان التفاصيل الصغيرة: ملامح الأساتذة المتوترة، نظرات الذعر في عيون الطلبة، همسات متقطعة عن "مخطوطة" أخذها حلمي معه في رحلته.
بعد الاجتماع، اقتربت منهم الدكتورة هالة، أستاذة التاريخ الإسلامي المعروفة بجرأتها. قالت بصوت منخفض وكأنها تخشى أن يلتقطها أحد:
– "إنتوا الاتنين… لو عايزين تعرفوا الحقيقة، روحوا دار الكتب القديمة في الفجالة. هتلاقوا هناك نسخة من مخطوطة اسمها كتاب السراديب. حلمي كان بيشتغل عليها قبل ما يختفي."
تبادل محمود وكريم نظرة سريعة. لم يقولا شيئًا، لكن الاتفاق كان واضحًا: الرحلة بدأت.
---
في تلك الليلة، لم يستطع محمود النوم. ظل يتقلب على سريره في شقته القديمة بالجيزة، يفكر:
ما هي السراديب؟ لماذا اختفى حلمي ونوال؟ هل يمكن أن يكون "الجب" أكثر من مجرد مكان؟
بينما كان يحدق في سقف الغرفة، سمع في داخله صدى جملة قديمة كان أبوه يرددها:
– "اللي ينزل السراديب… ما يطلعش هو نفسه تاني."
دار الكتب
في صباح اليوم التالي، استقلّ محمود وكريم المترو من محطة الجيزة إلى العتبة. كان الزحام خانقًا كالمعتاد، أجساد متلاصقة، وجوه متعبة، أصوات الباعة الجائلين تختلط بصرخات الأطفال وضجيج العربات. حاول محمود أن يقرأ جملة من كتاب صغير كان يحمله في يده، لكن عينيه كانتا تعودان دومًا إلى نفس الكلمة: "السراديب".
حين خرجا من المحطة، استقبلهما الهواء الساخن ممزوجًا برائحة العرق والقمامة والباعة المنتشرين على الأرصفة. توغّلا في شوارع الفجالة الضيقة، حتى وصلا إلى مبنى قديم يعلوه غبار كثيف ولافتة باهتة كتب عليها: دار الكتب والمخطوطات.
في الداخل، كان المكان أشبه بمتحف مهجور: رفوف خشبية عالية، صناديق مكدّسة، أوراق صفراء تفوح منها رائحة العتق. جلس خلف مكتب خشبي رجل مسن، أصلع الرأس، يضع نظارة سميكة تلمع تحت الضوء الخافت. رفع رأسه ببطء حين رآهما وقال بصوت أجش:
– "عاوزين إيه يا شباب؟"
تقدّم محمود بخطوات مترددة:
– "إحنا باحثين في جامعة القاهرة… بندور على مخطوطة اسمها كتاب السراديب."
هنا تغيّر وجه الرجل. نظر حوله بحذر، كأنه يخشى أن يسمعه أحد، ثم أشار لهم أن يقتربوا.
قال هامسًا:
– "الكتاب ده ما بيتفتحش لأي حد. مش موجود في الفهرس العام. حتى وجوده هنا… مش رسمي."
– "طب… نقدر نشوفه؟" سأل كريم بنفاد صبر.
– "تشوفوه… آه. بس تحذروا. الكتاب ده مش بس أوراق مكتوبة… ده لعنة."
ابتسم كريم بسخرية:
– "يا عم الحج… كل المخطوطات بيقولوا عليها كده. هو الكتاب هيعضنا يعني؟"
لكن محمود كان أكثر جدية. نظر إلى الرجل وقال:
– "من فضلك… عاوزين نطّلع عليه، حتى لو دقائق."
تنهّد الرجل، ثم نهض ببطء واتجه إلى غرفة جانبية. غاب دقائق، قبل أن يعود وهو يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا. وضعه أمامهما وفتح الغطاء بحذر، فإذا بداخله مخطوطة قديمة مربوطة بخيوط كتانية بالية.
انحنى محمود ليلمس الورق الأصفر المهترئ، بينما كريم فتح العقدة بفضول. أول صفحة كُتب عليها بخط كوفي متعرّج:
> "هذا كتاب السراديب… باب من أبواب الأرض، وسرّ من أسرار الغيب. من نزل فيه شهد ما لا يُقال، ومن خرج لم يعد كما كان."
ارتجفت أصابع محمود وهو يقرأ بصوت خافت. ثم قلّب الصفحات فوجد رسومات غريبة: خرائط لسراديب تحت الأرض، رموز فرعونية بجانب آيات قرآنية، وتعليقات بالخط الفارسي والعثماني.
قال كريم بدهشة:
– "إيه الخلط العجيب ده؟ فرعوني وإسلامي وعثماني؟!"
أجابه الرجل العجوز:
– "المخطوطة دي انتقلت بين أيادي كتيرة عبر القرون. كل واحد يضيف عليها. لكن أصلها… من وادي الجب. وده اللي كان الدكتور حلمي عاوز يثبته."
رفع محمود رأسه بسرعة:
– "حلمي؟!"
– "أيوه. جه هنا قبل اختفاؤه بأيام. قعد بالساعات يقلب في الكتاب. وقاللي كلمة مش قادر أنساها: السراديب مش تحت الأرض بس… دي تحت قلوبنا كلنا."
ساد الصمت. محمود شعر أن الجملة اخترقت صدره. أما كريم فابتسم بعناد وقال:
– "يبقى لازم نروح سيوة. لازم نشوف الوادي بعينينا."
الرجل العجوز نظر إليهما بجدية، ثم أغلق الصندوق فجأة:
– "أنا نصحتكم. اللي بيدخل السراديب… مش بيرجع. وإنتو شباب… ما تستعجلوش على نهايتكم."
---
الطريق إلى القرار
خرج الاثنان من دار الكتب وصوت العجوز يتردّد في أذنيهما. في شارع رمسيس المزدحم، جلسا في مقهى قديم، دخان الشيشة يملأ المكان وروائح البن المحمص تلتف في الهواء. جلس محمود صامتًا، يحدّق في الشارع المزدحم أمامه.
قال كريم وهو يقلب كوب الشاي:
– "بص يا محمود… إحنا مش هنعرف نكمل حياتنا كده. ده مش مجرد بحث أكاديمي. في حاجة أكبر، وأخطر. أنا حاسس إن السراديب دي هي المفتاح."
– "مفتاح لإيه يا كريم؟"
– "للي مخبيه أساتذتنا… للسر اللي خلى حلمي ونوال يختفوا. يمكن كمان… سر البلد دي كلها."
ضحك محمود بمرارة:
– "البلد مليانة أسرار يا صاحبي. واللي يحاول يكشفها… غالبًا بيختفي."
لكن كريم مال للأمام بعينين تلمعان:
– "بس يمكن دي فرصتنا. أنا طول عمري عايش على الهامش. لا منحة جاتلي، ولا سفرة برّه، ولا حتى بحثي لاقى دعم. إنت نفسك عارف. لو وصلنا للي تحت الأرض… يمكن نلاقي اللي يغيّر كل حاجة."
محمود ظل ساكتًا. ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة كان قد نسخ عليها جملة من المخطوطة:
"من نزل فيه شهد ما لا يُقال، ومن خرج لم يعد كما كان."
قرأها مرارًا، ثم قال بصوت منخفض:
– "يمكن… أنا محتاج أتغير."
---
لقاء غير متوقع
في مساء نفس اليوم، بينما كان محمود يعبر كوبري الجلاء، لمح وجهًا مألوفًا يقف عند السور الحديدي للكوبري. كانت ليلى، زميلتهم السابقة في القسم، باحثة في علم الاجتماع، لكنها انسحبت من الجامعة منذ عامين بعد خلاف مع الأساتذة.
اقترب منها بدهشة:
– "ليلى؟! إنتِ هنا؟"
ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت:
– "أنا متابعاكم من بعيد. سمعت عن اختفاء حلمي ونوال. وبصراحة… مش مستغربة."
– "إزاي يعني؟"
– "لأنهم اتلعبوا بالنار. كانوا بيحاولوا يفتحوا بوابة ما ينفعش تتفتح."
ارتجف قلب محمود. سألها بقلق:
– "إنتِ عارفة عن السراديب؟"
نظرت حولها بحذر، ثم اقتربت منه وقالت همسًا:
– "خلي بالك يا محمود. السراديب مش مجرد سراديب تحت الأرض… دي شبكة. شبكة بتربط بين الماضي والحاضر… بيننا وبين اللي سبقونا. لو نزلت… لازم تكون مستعد تدفع التمن."
قبل أن يسألها المزيد، انسلت بين الزحام واختفت كأنها لم تكن.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك فى موضوعاتنا .