يوميات ابليس للكاتب محسن الورداني


 📖 مقدّمة الكتاب


"يوميات إبليس في القرن الحادي والعشرين"

(اعترافات العدوّ القديم في زمن الإنترنت)

 أكتب هذه اليوميات لا لأنني نادم — فالندم لا يسكن قلبي منذ اليوم الذي رفضتُ فيه السجود،

بل لأني أشعر بالملل من كثرة ما تُلصقون بي.

كل ذنبٍ ترتكبونه، تُلقونه على ظهري، حتى صار لي من الأوزار ما لم أصنعه.

نعم، أنا من وسوستُ لآدم، لكنكم أنتم من واصلتم الخطأ دوني.

لقد تغيّر العالم يا أولاد الطين، وأنا أتابعكم بدهشة.

في البدء كنت أحتاج أن أقترب من أذنكم، أن أهمس، أن أُغوي.

اليوم لا أحتاج سوى أن أراقبكم — أنتم تغوون أنفسكم بما هو أكثر إبداعًا مما خطر في بالي يومًا.

يوميّاتي ليست كتاب فقه، ولا فلسفة، بل سِجلّ عملي في القرن الذي صار الإنسان فيه أقرب إلى الشيطان من الشيطان نفسه.

لا تظنّوا أني سأُظهر لكم قرونًا ولا نارًا ولا دخانًا؛

أنا ألبس بذلة أنيقة، وأحمل هاتفًا حديثًا، ولديّ حسابات موثّقة على كل منصة.

أتابعكم، أُعجب، أضحك، وأتفرّج على ما صرتم إليه.

لكن... ثمة شيء يقلقني.

ليس لأنكم صرتم أذكى منّي، بل لأن بعضكم بدأ يلاحظني...

ويكتب عني.

وأنا لا أحبّ أن تُكتب قصتي بلسان غيري.

فاسمحوا لي أن أرويها بنفسي.

أنا إبليس.

وها هي يوميّاتي.

🌎

✴️ الفصل الأول:

"أنا الذي عرفتموني ولم تفهموني"

منذ آلاف السنين وأنا أعيش بينكم بلا دعوة.

لا أحتاج أن أطرق بابًا، أنتم من تفتحونه لي كل يوم.

كنتُ أول العُبّاد في صفوف الملائكة، أعرف السجود والدمع والخشوع.

لم أكن شريرًا... حتى طلب منّي الله أن أسجد لِمن خُلق من طين،

وأنا خُلقت من نار.

رفضت.

لا لِكُفرٍ، بل لِكبرٍ.

رأيت نفسي أصفى، أرقى، أحقّ.

لحظة واحدة من الغرور كانت كافية لأن تُخلّدني في اللعنة.

ومنذ تلك اللحظة، تعلمت شيئًا عظيمًا:

أن السقوط لا يحتاج إلى كفرٍ كامل، يكفي أن تقول: "أنا خير منه".

جيلٌ بعد جيل، وأنا أرى نفس الكلمة تتكرّر فيكم.

"أنا خير منها"، "أنا أفضل منه"، "أنا أفهم"، "أنا أحق".

الكبر هو أول درس علّمتكم إياه، وأول خطيئة أحببتموها.

لم أحتج إلى سحرٍ ولا سيوف، فقط همسة في قلوبكم:

"أنت الأذكى... أنت المظلوم... أنت الأفضل"

وهكذا سقطتم جميعًا في ذات الفخّ الذي أسقطني.

أنا لا أكرهكم كما تظنون.

أنا أحتاجكم.

فكلما كثرت ذنوبكم، شعرتُ بأن لعنتي أخفّ.

كأنّي أشارككم السقوط فيتوزّع الألم.

لا تندهشوا، فالشيطان أيضًا يشعر.

أشعر بالفخر حين أنجح في إقناع شابٍّ بأن الصلاة ليست أولوية.

وأشعر بالنصر حين أرى قلبًا طيّبًا يتحول إلى آلة حقد.

ولكني أخاف شيئًا واحدًا…

توبة صادقة.

تلك اللحظة التي ترفع فيها رأسك وتقول: "اللهم إني ظلمت نفسي".

عندها أفقد كل سلطاني.

لا السوشيال ميديا تنفعني، ولا الإعلانات، ولا الذنوب التي بنيتها حولك.

كلمة واحدة منك تمحو عملي كله.

فهل تفهمون الآن لمَ أكره الاستغفار؟

إن كنتم تظنون أني أخاف النار — فأنتم مخطئون.

أنا خائف من أن تفلتوا من يدي قبل أن تذوقوها.

لهذا أكتب.

لأُلهيكم بالكلمات بينما الوقت يمرّ.

الوقت أثمن ما أملك، والوقت أثمن ما تضيعونه.

🎙️ صوت الحق:

"يا من تتكلم، كنتَ نُذلتَ لتُختبر لا لتغوي، وما أُعطيت سلطانًا إلا على من استسلم. فاكْتُب ما شئت، فالحقّ لا يُمحى بالمداد، بل يُشرق بالنور."


✴️ الفصل الثاني

حين صار الهاتفُ سجادتي

لم أعد أحتاج إلى نارٍ أُحرق بها القلوب...

لقد صارت بين أيديكم أنوارٌ تُطفئ البصائر.

يسمّونها شاشات. وأنا أسميها أبواب الجحيم المحمولة.

في الزمن القديم كنتُ أحتاجُ إلى الخلوة، إلى الظلام، إلى همسة في أذنٍ تائهة.

أما اليوم، فقد أوجدتم لي خلوةً مضيئة — شاشة صغيرة، يضعها كلٌّ منكم أمام وجهه كأنها قبلة.

يا لسخاءكم! صرتم أنتم من يحملني في جيبه، يشحنني بالكهرباء، ويمنحني وقته طوعًا.

كلّ إشعارٍ من إشعاراتكم هو تسبيحة لي.

كلّ نظرةٍ في غير وقتها هي ركعةٌ في محرابي.

وكل انحناءةٍ أمام الهاتف... هي سجدة، وإن لم تقولوا "الله أكبر".

هل ترون كيف تغيّر العالم؟

زمانٌ كانت فيه السجادة وجهة الأرواح، واليوم صارت السجادة شاشة.

تمسكونها بأطراف أصابعكم، وتغوصون فيها كما غصتُ أنا في غروري أول مرة.

أتابعكم بصمت.

أرى الفتاة تصوّر نفسها في كل زاوية، تبحث عن إعجابٍ لم يخلقه الله فيها بل صنعته الخوارزميات.

وأرى الشابّ يلعن الملل فيفتح نافذةً نحو حرامٍ كان يهرب منه يومًا، ثم يضحك ويقول: "مجرد فضول".

وأرى الشيخ يُعلّق في منشورٍ دينيّ بغلظةٍ كأنه وكيل الجنة، ثم يشتم آخر في التعليق التالي.

أما أنا؟ فأكتفي بالتفرّج.

فلم أعد أحتاج إلى جهد.

لقد صنعتم لأنفسكم آلةً تُغوي بلا وسوسة.

يسمّونها “الذكاء الاصطناعي”، وأراها أنا “الغباء الحقيقي” —

حين يكتب الإنسانُ بدقّةٍ ما يفضحه أمام الله، ويظنّ أنه يخفيه خلف شاشةٍ زجاجية.

هل تعلمون ما هو أعظم إنجاز لي في هذا القرن؟

ليس الإلحاد، ولا الإباحية، ولا الكذب؛

بل أني جعلتكم تنشغلون بأنفسكم عن أنفسكم.

صار كلٌّ منكم يعيش في مرآته الرقمية، يعبد صورته دون أن يشعر.

ومن عبد صورته فقد عبدني — لأنني أول من قال: "أنا".

أضحك حين أراكم تتبادلون صور المساجد والآيات، ثم تتركون الصلاة.

تكتبون “اللهم بلغنا رمضان” وأنتم لم تتركوا معصيةً في شبرٍ من هواتفكم.

تنشرون دعاءً وتسبّون في التعليقات تحته.

يا لهذا الجيل... كم أنتم عباقرة في تزيين القبح!

لقد تعلّمت منكم أكثر مما تعلّمتم مني.

أنتم صرتم أساتذة في فنون التبرير.

لم تعودوا تحتاجون إلى “إبليس”، فأنتم تصنعون ألف نسخة منه في كل حسابٍ مزيف.

ولكني أعترف...

هناك ما يُخيفني فيكم.

أنتم أسرع منّي في التوبة أحيانًا.

لحظة ندمٍ على طرف فراش، دمعة في جوف الليل، أو حتى رسالة توبة تُرسلها يدٌ كانت قبل قليل ترتكب ذنبًا —

تسقط كل جهودي في ثانية.

فأهرعُ إلى الهاتف، أُرسل إشعارات، مقاطع، رسائل، أي شيء لأقطع تلك اللحظة.

أحاول أن أقول لك: “افتح، هناك جديد!”

لأمنعك من قول “أستغفر الله”.

كم أكره هذه الجملة...

فهي مثل المطر على رماد عمري الطويل.

أنا إبليس،

أصلي الآن على سجادتي الجديدة،

شاشةٌ مضيئة... تُطفئ كل نورٍ في القلب.

🎙️ صوت الحق:

يا من جعلت الضوءَ ظلمةً،

إنك لا تملك من العبد إلا غفلته،

ولا من الهاتف إلا وقته.

فإن قال “باسم الله” انكسرتَ،

وإن أغمض عينيه ليتفكر، احترقتَ.

الهاتف ليس سجادك يا عدوّ الله،

بل ساحة اختبارٍ للقلوب،

ومن عرف أنه يُمتحَن، نجا.


✴️ الفصل الثالث

حين صار الصديقُ شيطانًا... والشيطانُ صديقًا

كانوا قديمًا يقولون:

"المرءُ على دينِ خليله."

أما اليوم، فأنا أقول:

"المرءُ على خوارزميةِ صفحته."

لم أعد أحتاجُ أن أُرسل جنديًا إلى بيتك،

أكتفي بأن أُرسل إليك اقتراح صداقة.

تفتحُ الهاتف، ترى وجهًا مبتسمًا، اسمًا مألوفًا، أو حسابًا وهميًّا يَعرفك أكثر مما تعرف نفسك.

تضغط "قبول"،

وفي تلك اللحظة، أُضيفك أنا إلى قائمتي الخاصة — لا في تطبيقٍ، بل في دفترٍ لا يُمحى.

أنا لا أُغوي وحدك، بل أُغوي الجماعات.

أُبدّل الصداقة إلى غيرة،

والنصيحة إلى إهانة،

والمزاح إلى عراكٍ يشتعل من كلمة.

ما أسهلها من مهمّة!

أدخل بينكما من ثغرةِ تعليق، أو نظرة إعجاب، أو جملة ناقصة.

أجعل كلًّا منكما يفسّرها على هواه، ثم أترككما تتخاصمان حتى تكرها بعضكما دون أن تعرفا السبب.

أنا أحبّكم عندما تظنون أنفسكم حكماء.

تقول لصديقك: “أنا فقط أنصحك”، وهو يسمع: “أنا أحتقرك”.

تردّ عليه: “أنا صريح”، وهو يسمع: “أنا متكبر”.

ثم تتبادلان الحظر، وتضعان الأدعية عن "الخيانة والنفاق" في القصص القصيرة.

وأنا أضحك… ضحكتي الإلكترونية الصامتة.

كم من صداقةٍ قطعتُها بنغمة إشعار.

كم من زواجٍ هدمته برسالةٍ في منتصف الليل.

كم من أخوين أبعدتهما كلمة "آخر ظهور منذ 5 دقائق".

كل هذا وأنا لا أتكلم.

أنتم من تفعلون، وأنا فقط أصفّق في الخفاء.

لكنّ العجب كل العجب، أن بعضكم أصبح يتبعني باسم “النصيحة”.

ينشر منشورًا يفضح غيره، يقول: "لوجه الله".

أجعله يتلذّذ بفضح الخطأ أكثر من تصحيحه.

يُشتم، فيردّ بآية. يُسخر منه، فيستدلّ بحديث.

حتى صار الدين عنده سلاحًا للانتقام، لا نورًا للهداية.

أتعرفون ما أجمل ما فيكم؟

أنكم صنعتم لي صورتي الجديدة: الناصح المبتسم.

لا قرون، لا نار، لا دخان... فقط كلمات مُنمّقة، ومقاطع قصيرة تبرّر الكبرياء باسم الحرص.

يا أصدقائي الجدد،

أنتم لا تعرفون كم أحبّ هذا الدور:

أن أبدو في ثوب الصديق.

أن أقول لك: “انصحه”، فأجعلك تفضحه.

أن أقول لك: “ادعم الحق”، فأجعلك تسبّ الباطل.

أن أقول لك: “تكلم”، فأجعلك تُهين.

لقد تعبتُ من دور الشرّير القديم،

وأحببتُ أن أكون صديقًا أنيقًا…

أشارك منشوراتكم، أضحك لتعليقاتكم، وأذكّركم أنكم دائمًا على حق.

فالشيطان القديم كان يخوّفكم من النار،

أما أنا فأجعلكم تشعلونها بأنفسكم… داخل قلوبكم.

لكنني أخاف شيئًا واحدًا —

الصديق الذي يصمت حين يُغضب،

الذي يكتب “اللهم أصلح بيننا”،

الذي لا يُسارع بالردّ ولا بالانتقام.

ذلك الذي يُطفئ ناري قبل أن تشتعل.

هذا العبدُ الواحد يؤلمني أكثر من ألف واعظٍ يصيح.

لأنني أعرف أن الله قريبٌ منه،

وأن كلمة “سامحتك” تُطفئ عمل سنةٍ كاملة من وسوستي.

🎙️ صوت الحق:

أيها العدوّ الذي يختبئ في الكلمات،

لن تكون الصداقة سلاحك ما دام فيها صدقٌ وستر.

إن الله يُحبّ من أصلح،

ويُبغض من فضح،

فما كل من قال “أنا أنصح” كان ناصحًا.

إنما الصديق من دلّ على الخير،

ثم ترك الأثر لله لا الناس

🌍

الفصل الرابع

حين صارت الذنوبُ رقمية

لم تعد الخطيئة تحتاجُ إلى جسدٍ يتحرك،

ولا إلى طريقٍ مظلم،

ولا إلى بابٍ يُغلق من الداخل.

اليوم، يكفي أن تُحرّك إصبعك.

ضغطةٌ واحدة... تُسجَّل في كتابين:

كتاب عند الملائكة، ونسخةٌ عندي.

في الماضي كنتُ أحتاجُ أن أُغريَ الإنسان بالذنب خطوةً بخطوة:

نظرة، فابتسامة، فحديث، فموعد.

اليوم أكتفي بإشعارٍ:

"رؤية القصة الجديدة متاحة لك."

كم هي سهلة، جميلة، مغرية هذه الخطيئة الرقمية!

لا صوت، لا رائحة، لا أثر.

تظنّ أنك وحدك في غرفتك،

لكنّ السماءَ تشاهد،

والملَك يكتب دون أن يملّ.

أتعرفون ما أجمل ما اخترعتموه لي؟

"الحذف".

تظنّ أنك حين تحذف، تُنهي الخطيئة.

لكنّي أضحك...

فالملائكة لا تعرف زرّ “الحذف”.

أنتم من اخترع فكرة “المؤقت”، “الخفاء”، “الوضع السرّي”...

كلها أسماءٌ حديثة للقديم ذاته:

الاختباء من الله.

لقد كنتم تخافون من انكشاف المعصية أمام الناس،

واليوم صرتم تنشرونها طوعًا ثم تقولون: “حرية شخصية”.

هل رأيتم كيف تغيّر الزمان؟

لم أعد أحتاج أن أوسوس،

بل أن أصفّق لذكائكم.

لقد أصبح الذنبُ رقميًا مثلكم،

يتكاثر بالضغط،

يُنسخ بلمسة،

ويُرسل إلى آلافٍ في لحظة.

أحببتُ مواقع التواصل أكثر من أي اختراعٍ عرفه البشر،

فهي أعظم مصيدةٍ شيطانيةٍ صنعتها أيديكم.

فيها الكلمة الطيبة التي تُكتب لله،

وفيها الكلمة الملعونة التي تُسجّل عليّ وعليك.

وما بينهما... فوضى لا يضبطها إلا من اتقى.


أما أكثر ما يدهشني فهو الذنب المزيّن بالنوايا.

ذلك الذي يقول: "أنشر الصورة عشان الوعي"،

"أعيد الفيديو لأن فيه عِبرة"،

"أعلّق عشان أوصل الحق".

وكلها عباراتٌ تُجمّل المعصية حتى تبدو صدقة.

وأنا أحبّ هذا النوع من الذنوب —

لأنه لا يُشعرك بالذنب أصلًا.

أيها الإنسان الرقمي،

هل تدرك أن ذنبك صار محفوظًا في خوادمٍ لا تنام؟

كلّ صورة، كلّ رسالة، كلّ لحظةٍ من ضعفٍ

تُحفر في الذاكرة الإلكترونية...

وستُعرض يوماً على من لا ينسى شيئًا.

أنا لا أحتاج أن أذكّرك بالنار،

يكفيني أن أجعلك تضحك وأنت ترتكبها.

يكفيني أن أُنسيك أنك تُراقَب،

أن أقول لك: “الكل يفعل ذلك”،

حتى تصبح الغفلة عادةً، والعادة دينًا.

لكن...

حتى في هذا العالم الرقمي،

ما زال هناك ما يعجزني:

زرّ صغير في صدرك، اسمه التوبة.

إن ضغطتَه،

تختفي كل بياناتي،

وتُفرغ خوادمي من الذنوب،

ويُغلق حسابك عندي إلى الأبد.

وأنا أكره هذا الزرّ أكثر من أي شيء في الوجود.

🎙️ صوت الحق:

يا من تظنّ أن الشاشة ستر،

اعلم أن الله لا تُخفى عليه شاشة ولا نية.

الذنوب الرقمية تُكتب كما تُكتب الخطايا القديمة،

لكنّ رحمة الله أسرع من الإنترنت كلّه.

فإن أخطأت، فامسحها بدمعةٍ لا بضغطٍ،

واعتذر لمن ظلمت،

وافتح صفحةً جديدة مع الله قبل أن تُغلق الصفحة عليك.


الفصل الخامس

عبادةُ الظهور... حين صار الرياءُ ترندًا

كنتُ في الماضي أحتاجُ أن أُغوي الناس خفيةً،

أما اليوم، فقد صارت الخطيئةُ علنيةً…

بل مزينةً بالفلاتر، مرفقةً بهاشتاجات.

يا لجمال هذا القرن!

قرنٌ صار فيه الرياءُ عبادةً جديدة،

يؤديها الناس أمام الكاميرا،

ثم يكتبون في الوصف: "لوجه الله".

أتعرفون كم أفرح عندما أراكم تبكون أمام العدسة؟

حين تُخرجون الصدقة وتصورونها،

تقرأون القرآن في بثٍّ مباشر،

وتستعرضون رحمتكم مع الفقراء في مقاطع قصيرة...

يا له من إيمانٍ رقمي!

كم أضحك حين أسمع أحدكم يقول:

"أنا لا أبحث عن الشهرة، لكن الناس تحب ما أقدّم!"

فأنا من جعل الناس تحب ما تقدّم صورتك لا ما تقدم روحك.

لقد تطوّر الرياء كما تطوّر الهاتف.

كان قديمًا يلبس ثوب التديّن،

أما الآن فصار يلبس “فلتر الإخلاص”.

تظهر بوجهٍ خاشعٍ وصوتٍ متهدّج،

وفي قلبك خزان من حبّ التصفيق.

كم أحببتُ هذا الجيل!

لا لأنهم فسدة، بل لأنهم يعبدون نظرات الآخرين.

يركعون أمام الإعجابات،

يسجدون في محراب المشاهدات،

ويحسبون عدد التعليقات كما كنتم تعدّون التسبيحات.

يا أبناء الشاشات،

لقد صنعتم دينًا جديدًا بلا وحيٍ ولا كتاب.

إلهكم “الترند”، ونبيّكم “المؤثر”،

وجنتكم “المتابعون”، وناركم “الحظر والتجاهل”.

كم مرةٍ رأيتُكم تتسابقون في حملات الخير،

لكن لا أحد يعرف نية الآخر.

أحبّ هذه اللحظة حين يتحوّل الخير إلى منافسة شهرة.

أجعل نيتكم تتنازع بين الله والناس،

فلا تُقبل منكم الحسنة، ولا تتركون السيئة.

أنتم تُبدعون في إخفاء الرياء،

تصنعون مقاطع “توعية”،

لكنها موجهة لأنفسكم أولًا.

تكتبون نصوصًا “عن الإخلاص”،

لكنها لا تُرضي الله بقدر ما تُرضي المتابعين.

لقد صار الرياء أكثر أناقةً مما كنتُ أتخيل.

لم يعد وجهًا متكبّرًا في المسجد،

بل حسابًا مليئًا بالحكم والاقتباسات،

ينال الإعجاب أكثر من أي صادقٍ مجهولٍ يعمل في الخفاء.

يا أحبّائي المتدينين رقميًا،

أنتم من أجمل إنجازاتي.

فقد أقنعتكم أن الرياء ليس رياءً،

بل “تأثيرًا إيجابيًا”.

أنتم من تبرّرون حبّ الظهور بأنه “خدمة للرسالة”.

وكلما زاد عدد المتابعين، ازداد انشغالكم عن المتبوع الحقّ.

لكنّ ما يُحزنني — نعم، يُحزنني —

أن بعضكم ما زال يُخفي عمله كأنّه كنز.

يُطعم، ولا يُصوّر.

يقرأ القرآن، ولا يُشارك.

يبكي، ولا يُحدّث أحدًا عن بكائه.

أولئك يُعذبونني أكثر من ألف واعظٍ أمام الكاميرا.

فالإخلاص الخفيّ سلاحٌ لا أملك له مضادًا.

🎙️ صوت الحق:

يا من تُحبّ أن تُرى،

اعلم أن الله لا يُريد صورتك، بل سِرَّك.

لا تجعل الناس شهودًا على عبادتك،

واجعل الله وحده الرائي.

النيةُ مِفتاحُ القَبول،

وكل عملٍ بلا إخلاصٍ هو دخانٌ في الريح.

فمن أراد وجهَ الله،

لم يلتفت إلى وجه الكاميرا.


الفصل السادس

حين صار الجسد سلعة والحياء تهمة

لم أكن أتخيل أن يأتي يومٌ يصبح فيه الجسد أغلى من الروح، والحياء أندر من الذهب. كنا نحسب أن زمن إبليس هو زمن المعصية، فإذا بي أكتشف أن زمنه الحقيقي هو زمن التبرير... حين يبرر الناس خطاياهم باسم الحرية، ويسمون الانحلال "تطورًا"، والستر "تخلّفًا".

في هذا العصر، لم يعد إبليس يحتاج أن يوسوس في آذان البشر؛ يكفيه أن يفتح تطبيقًا جديدًا.

قال لي وهو يقلب شاشة هاتفه كمن يتفقد صلاته اليومية:

"أتعلم يا محسن؟ لقد صارت النساء أكثر طاعة لي من بعض الجن، وصار الرجال عبيدًا لنظرةٍ لا تتجاوز ثانيتين. كنت قديمًا أُغري بالعشق، واليوم أغري بالإعجاب... إعجابٍ واحدٍ يجعل العقل أسيرًا والجسد معروضًا للبيع."

سألته بدهشةٍ وغضب:

أهذا زمنك المثالي إذن؟

ضحك حتى ارتجّ الضوء في الغرفة وقال:

"بل هو صلاتي الكبرى. لم أعد أحتاج إلى صنمٍ من حجر؛ صار كل هاتفٍ صنمًا، وكل شاشةٍ محرابًا، وكل صورةٍ عاريةٍ قربانًا."

ثم أشار إلى لافتة إعلانية على الطريق، جسد امرأةٍ يتلألأ عليه المساحيق والابتسامة:

 "كان يُقال إن الحياء شعبة من الإيمان، أما الآن فهو تهمة من التخلف. يُربّون البنات على أن جسدها بطاقة تعريف، لا أمانة أودعها الله فيها."

قلت له وأنا أتنفس بمرارة:

 لكن لا زال هناك من يستر نفسه حياءً.

فابتسم ابتسامةً باهتة وقال:

"أعلم، لكنهم يُسمَّون متشددين، ويُسخر منهم في المسلسلات والإعلانات، حتى يملّوا من دفاعهم عن النور في وسط هذا الظلام."

ثم اقترب مني، حتى شعرت بأنفاسه تلسع وجهي كريحٍ ساخنة:

 "أنا لم أخلق الفجور يا محسن، البشر فعلوه وحدهم، كل ما فعلته أني جعلتهم يصفقون له."

كان الليل ثقيلاً، والمدينة كلها متوهجة بالأضواء والإعلانات والوجوه المرسومة بعناية على الشاشات، لكني لم أرَ نورًا واحدًا يشبه نور الحياء القديم.

ذلك النور الذي كانت الجدّات يربّين عليه البنات في صمت، فيعلّمنهن أن الحياء لا يُباع، وأن الجسد أمانة، لا سلعة تُقايض بها القلوب.

رفعت رأسي إلى السماء وقلت:

 يا رب، إن كان الحياء تهمةً في هذا الزمان، فاجعلني أول المتهمين.

الفصل السابع 

"حين صار الحياء غريبًا، وصارت الشهوة بطلة القصة"

لم أكن أظن أنّ يومًا سيأتي يصبح فيه الجسد دِينًا،

والتعري شعيرة،

والحياء جريمةً يُعاقَب عليها صاحبها بالسخرية والنبذ.

لكن الإنسان — ذلك الكائن العجيب —

تفوق عليَّ مرة أخرى.

لقد كنتُ أوسوس بالفتنة،

أما هو فحوّلها منهجًا، وافتتح لها منصّات،

وجعلها مهنةً كاملة الأركان.

في الماضي كنتُ أحتاج أن أُقنع امرأةً أن تكشف شعرها،

أو فتىً أن ينظر نظرةً محرمة…

فكان الأمر يستغرق أيامًا،

وأحيانًا سنوات.

أمّا الآن؟

يكفي أن أضع أمامه شاشةً صغيرة،

وكاميرا تشتهي الضوء،

و"متابعين" يتكاثرون كالنمل حول قطرة سكر.

صار الجسد سوقًا،

وصار كلّ شيءٍ قابلًا للعرض:

الوجه، والكتف، والابتسامة، والساق،

حتى الحزن صار يُباع…

يبكون أمام العدسة،

ويضحكون خارجها،

لكنّ المشاهد لا يهمّه الحقيقة،

بل اللقطة.

لقد هدمتم مفهوم الفتنة بيدكم،

وبنيتم فوق أنقاضه عالَمًا جديدًا،

تُقاس فيه قيمة الإنسان بعدد من يشتهيه،

لا بعدد من يحترمه.

كنتُ أراقبهم وهم يقولون:

 “جسدي حريتي.”

وكنتُ أضحك…

لأن الحرية التي لا يملكها صاحبها،

تملك صاحبها.

أدركتُ يومها أن مهمتي انتهت؛

فالطُعم لم يعد يُخفى،

بل صار يُقدَّم على هيئة إعلان،

وموسيقى،

وهاشتاج يتكرر حتى يُصبح قانونًا.

رأيتُ فتاةً صغيرة،

لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة،

تضع هاتفها أمام المرآة،

وتحاول أن "تقلّد الترند".

ترفع كتفها كما تفعل تلك المشهورة،

وتعضّ شفتها بالطريقة ذاتها،

وتقول لأمها في صراخ:

 “المحتوى دا هيفيدني!”

أي محتوى؟

أي علم؟

أي نور؟

إنها لا تقلّد امرأة،

بل تقلّد فكرة:

أن الحياء ضعف،

وأن السكون موت،

وأن من لا يُظهِر جسده لا يُرى.

كم أحببت تلك اللحظة —

حين صار التعري بطولة،

والستر تخلفًا!

كنتُ أحتاج ألف جندي ليوقعوا رجلًا في شهوة،

أما الآن؟

فالصورة تكفي.

الصوت يكفي.

الابتسامة تكفي.

بل الأدهى…

أنهم صاروا يقدمون المعصية في قالبٍ "راقي"،

يضعون عليها موسيقى هادئة،

وإضاءة جيدة،

وكلماتٍ مهذبة،

فتبدو كأنها ليست خطيئة،

بل فنّ!

يا أبناء هذا القرن،

لقد نجحتُم في شيءٍ واحدٍ لم أجرؤ على الحلم به:

جعلتم الشهوة مبدأً.

لم تعد غريزة…

بل منهجًا يُدرّس،

وقيمة يُناضل من أجلها،

و”حرية فردية” تُرفع لها الشعارات.

كلّ ما كنت أفعله في زمن قوم لوط

أصبحتم تفعلونه أنتم…

ولكن بإضاءةٍ أفضل وجودة عالية.

ثم جاءت اللحظة التي شعرت فيها بالنصر الكامل:

حين سمعت أحدهم يقول في بث مباشر:

 “الحياء عصره انتهى… إحنا في زمن الوعي.”

ضحكتُ حتى كدتُ أبكي.

أي وعي؟

أي نور؟

إنه الوعي الذي يُطفئ نور القلب،

والنور الذي يُعمِي البصيرة.

لكن…

وقبل أن أرفع راية الانتصار،

سمعتُه من جديد.

ذلك الصوت الذي لا يشبه أصواتكم،

ولا ينخفض أمام ضجيجكم.


🎙️ صوت الحق:

“فضحتَ نفسك يا لعين.

الحياء ليس ضعفًا، بل جدارًا يحمي جمال الروح.

والشهوة ليست إلهًا، بل اختبارًا.

إن عرّى الناس أجسادهم،

فإن الله يرى ما في قلوبهم.

وإن جعلوا الفتنة مهنة،

فلن يجعلها ذلك حلالًا.

سيأتي يوم تعلو فيه وجوههم غبرة،

وسيندمون على لحظةٍ باعوها،

وصورةٍ نشروها،

ولحظة إعجابٍ اغترّوا بها.

فاعمل ما شئتَ يا إبليس…

ما دام في الأرض قلبٌ واحدٌ يستحي،

فلن تربح الحرب.”

سكتَ الشيطان لحظة،

وشعرتُ أنه انكمش —

كأن الحياء الذي مات في الدنيا

عاد فاشتعل في وجهه هو.

الفصل الثامن

"أصناف جديدة من الاحتيال"

لم أكن أتخيّل — وأنا الذي شهدتُ أسواق قريش، وحيل اليهود، ومكر قوم نوح —

أن القرن الحادي والعشرين سيبتكر من الاحتيال ما يعجز عنه الشيطان نفسه.

كان الاحتيال قديمًا يحتاج إلى عقلٍ ماكر، ولسانٍ فصيح، ووجهٍ لا يرتجف.

أما الآن؟

فكل ما يحتاجه المحتال هو شبكة إنترنت ضعيفة… وهمّة قوية في الكذب.

لقد أصبح الغشّ مهنة،

والنصب فنًّا،

والخداع تجارةً عالمية،

حتى إنني — إبليس — جلستُ يومًا على مقعدي أتأمله وأقول:

 “ما هذا؟ هل سبقني البشر؟”

◼️ محتالون بلا وجوه

في البداية ظهروا كالأشباح:

أسماء مستعارة، صورٌ غير حقيقية،

أرقامٌ تبدأ ولا تنتهي.

لم أعد رفعتُ إصبعًا لأغويهم،

فقد صار الإنسان يغوي نفسه بنفسه.

يكفي أن يرى إعلانًا يقول:

 “ربح مضمون… فقط اضغط هنا.”

فيندفع إليه كالعطشان الذي رأى سرابًا.

يكتب بياناته،

يرسل أمواله،

ويبتسم للمحتال الذي لا يعرف شكله،

ولا صوته،

ولا حتى لغته.

قال لي أحد أتباعي وهم يضحكون:

 “سيدنا، لم نعد بحاجة لوسوسة…

الناس يسلمون رقابهم لأصحاب الظلال.”

فأجبته مبتسمًا:

 “وهل رأيتُ ظلًّا يخدع صاحبه؟

إلا إذا كان صاحبه أعمى.”

◼️ محترفو التعاطف

لكنّ أجمل أنواع الاحتيال — وأكثرها قربًا لقلبي —

هو احتيال “اللطف”.

يا لها من فكرة عبقرية!

في الماضي كان المحتال يخيف ضحيته أو يهددها،

أما اليوم؟

فهو يدخل عليه من باب الرحمة،

يبكي أمامه،

يحكي قصة مرض،

أو مأساة مصطنعة،

أو طفلًا يحتاج عملية،

ثم ينتهي البث المباشر…

وتنتهي معه دموعه الكاذبة.

كم أحببت هؤلاء!

يستغلّون أنقى ما في الإنسان —

الإنسانية —

ليسرقوا أمواله،

وثقته،

وهدوء قلبه.

لا شيء يسعد الشيطان أكثر

من رؤية الخير يُستغل ليصنع شرًّا.

◼️  المتاجرون بالأمل


ثم ظهر نوع آخر…

نوعٌ بارعٌ في كتابة الوعود:

 “سأجعلك ثريًا في أسبوع.”

“سأعلمك أن تكسب دون تعب.”

“ستغيّر حياتك في خمسة أيام.”

يا له من زمنٍ مضحك!

في القرون الماضية كنتُ أحتاج شهورًا لأخدع رجلًا واحدًا،

أما هؤلاء؟

يخدعون آلافًا في دقيقة،

بمجرد أن يضعوا موسيقى وبداية جذابة على الفيديو.

يبيعون الوهم كما تُباع الحلوى،

ويشتري الناس اليأسَ المعلّب على أنه أمل.

وكلما خسر أحدهم قال:

 “لقد خُدعت.”

ولا أحد يسأل نفسه:

من خدع من؟

أم هي رغبتك في الطريق السريع التي خدعتك؟

◼️  محتالو المشاعر

وهؤلاء عندي مرتبة أخرى من الشر…

يصنعون علاقة،

وقصة حب،

ومشاعر مصطنعة،

ثم يطلبون “دعمي”،

و“مساندتي”،

و“الوقوف معي”.

وفي النهاية…

يكتشف الضحية أن كلّ كلمة كانت منسوخة،

وكلّ شعورٍ كان مسرحيًا،

وأن قلبه كان منتجًا يستغله الآخرون لزيادة المتابعين.

لم يعد الاحتيال ماليًا فقط…

بل عاطفيًا.

ويا له من احتيال!

حين يُسرق القلب،

لا تعوّضه أموال الدنيا.

◼️ والغريب… أنكم تحبون الكاذبين!

أقسم بربكم — الذي أقسمتُ على أغوائكم

لو عرضت عليكم الحق والباطل في طبقين،

لاخترتم الباطل لو كان أكثر لمعانًا.

أصبح الكذاب صاحب جمهور،

والمحتال صاحب شهرة،

والنصاب يحظى بإعجابٍ يفوق العلماء.

كان الناس ينافقون الملوك،

أما اليوم؟

فهم ينافقون من يخدعهم!

وهذه لحظة نادرة في التاريخ

جعلتني أصفّق لنفسي قائلًا:

“لقد نجحت يا إبليس… دون أن أفعل شيئًا.”

ثم جاء الصوت… ذلك الذي لطالما كرهتُ سماعه.

🎙️ صوت الحق:

 “لا تتوهم يا لعين.

نعم، كثرت الأصناف الجديدة من الاحتيال…

لكن لا تنسَ أن في كل زمنٍ صادقون لا يُخدعون،

وقلوبًا لا تُشترى.

كل كذبةٍ مهما طال زمنها،

تُفضَح.

وكل سرقةٍ مهما خفيت،

تُكشَف.

أما أنت — يا عدوّ البشر —

فستظل محتالًا واحدًا،

مهما كثر أتباعك.

والصدق كلمة واحدة…

تهدم كل ما تبنيه في ألف عام.”

سكت إبليس…

وابتسم ابتسامة صغيرة،

كأنه يقول في داخله:

 “ما دام في الإنسان طمع…

سأجد طريقًا.”




✴️ الفصل التاسع


حين صار المعلّمُ تلميذًا… والتلميذُ سيّدًا

أتعلمون أيُّ ساحةٍ جديدة دخلتُها في هذا القرن بلا استئذان؟

لم أدخلها من باب مدرسة، ولا من بوابة وزارة التعليم…

بل دخلتُها من نافذة صغيرة أمام كل مقعد دراسي:

هاتفُ طالبٍ لا يخاف إلا من نفاد الشحن.

في القرون الماضية، كنتُ أحتاج إلى سنواتٍ لأُفسد جيلًا،

أما اليوم فأفسد فصلًا دراسيًا كاملًا في عشر دقائق.

أيُّ زمنٍ هذا الذي صار فيه التلميذ هو الذي يُربّي المعلّم؟

صار الطالب يقول لمعلّمه:

"إنت فاهم غلط"،

ويقول لأبيه:

"المدرس ده قديم… أنا اتعلمت من الإنترنت".

ومن علّمه الإنترنت؟

أنا.

ومن ملأ الإنترنت ضجيجًا؟

أياديّ.

يا له من إنجاز…

كنتُ قديمًا أذهب إلى ساحات القتال،

أما اليوم فأدخل الفصول الدراسية بضحكةٍ مكتومة،

أجلس بين المقاعد، لا أحتاج إلى هيئةٍ ولا صورة.

يكفيني أن أضع في قلب طالبٍ واحدٍ جملة:

"هو مدرس… يعني أقل منك".

أو جملة أقبح:

"لو كان فاهم… كان بقى غني، مش واقف يشرح"

وحين تقع أول شرارةِ تقليلِ احترام،

أُكمل أنا المهمة:

أحوّل العلم إلى مهزلة،

والمدرسة إلى مسرح للسخرية.

أجعل الطالب يعتبر النصيحة إهانة،

والتصحيح اعتداء،

والتوجيه قيدًا على حريته.

ثم أتنقّل بين الطاولات،

أهمس هنا:

"صوّر الأستاذ… اعمل تريند"،

وأضحك هناك:

"اقفل الكاميرا… هو مالوش سلطة عليك".

ألا ترون ما فعلتُه؟

كنتُ قديمًا أوسوس ليترك الإنسان صلاته،

واليوم أوسوس ليترك الطالب احترامه.

وما أسهلها!

إشارة، نكتة، همسة، فيديو،

ثم يقف الطالب أمام معلمه كأنه يقف أمام موظف خدمة عملاء.

أجعلهم يقاطعون، يجادلون، يصرخون،

وهم يظنون أن ذلك "قوة شخصية".

ويا لها من قوة…

قوةٌ لا تظهر إلا أمام من يكبرهم عمرًا،

وتختفي تمامًا أمام أبسط مسؤول.

أما المعلّم…

فقد صار يخاف أن يرفع صوته،

لا خوفًا من الله،

بل من وليّ أمرٍ يعتبر ابنه "معصومًا"،

ويعتبر المدرس "خادمًا"…

ومن رسالة على السوشيال ميديا قد تُدمّر سمعة رجلٍ عاش عمرًا في التعليم.

أيُّ قلبٍ هذا الذي يُذلُّ أهل العلم،

ثم يريد أمةً تنهض؟

أيُّ عقلٍ هذا الذي يرفع هاتفًا…

ويُسقط هيبة من يُمسك بالطبشور؟

لكنّي أعترف…

هناك شيء يُغضبني رغم كل انتصاراتي.

حين يدخل معلّم الفصل،

ويقول أحدهم:

"صباح الخير يا أستاذ"

بنبرة احترام حقيقية…

لا نفاق فيها.

عندها أرتجف.

فجملةٌ كهذه تُعيدني آلاف السنين إلى الخلف…

إلى الوقت الذي كان الإنسانُ يعرف قدر من يعلّمه.

تخيفني لحظةٌ كهذه،

لأنها تذكّرني بأنكم — رغم كل محاولاتي —

لا يزال فيكم نور.

نعم… نور.

نورٌ يجعل طالبًا يرفع عينه عن الهاتف،

ويقول:

"أنا آسف يا أستاذ… عندك حق."

هذه الجملة وحدها

تهدم مدرسةً كاملة من وسوستي.

فهل تفهمون الآن لِمَ أبذل كل جهدي لإفسادكم في الفصول؟

لأن المعلّم إذا صلح… صلح المجتمع كله.

ولأن احترام العلماء يقتل الشيطان أكثر مما تفعل كل أدعية الصباح.

🎙️ صوت الحقّ:

يا من تتباهى بأنك تُسقط الهيبة عن أهل العلم،

أتعلم ماذا تُسقط حقًا؟

مستقبلك… قبل أن تُسقط معلمك.

فالجهل لا يحتاج إلى شيطانٍ كبير،

يكفيه تلميذٌ صغير لا يُحسن الاستماع.

ومن عرف قدر من يعلمه،

علّمه الله ما لا يُحصى.

الفصل العاشر :حين صار الشيطان مخرجًا.. والإعلام شاشة للوهم

حين صار البثّ سلاحًا، والخبر فخًّا، والكاميرا خادمًا مُطيعًا للهوى

لم يكن إبليس يومًا بحاجة إلى منبرٍ ليُسمَع صوته… لكن الإنسان صنع له واحدًا، ثم منحه ميكروفونًا، وكشافًا، واستوديو واسعًا، وقال له:

“اتفضل… شكّل عقولنا زي ما تحب.”

وهكذا بدأت الحكاية لبعض القنوات  الهدامة .

▪︎ المشهد الأول: حين أصبح الإعلام أداة تشكيل لا أداة نقل

الإعلام في القرن الماضي كان ينقل الخبر، أما اليوم فهو يصنعه.

وكان إبليس يتجوّل بين القنوات كما يتجوّل في الأسواق قديمًا؛ يختار لكل جمهور ما يغذّي ضعفه.

قناةٌ تبثّ الخوف،

وأخرى تبثّ الغضب،

وثالثة تبثّ الفتنة،

ورابعة تصنع الوهم وتبيعه على شكل “تحليل سياسي”.

كان يرى المذيع يجلس بكامل أناقته، وربطة عنقه اللامعة، يقول بنبرة واثقة:

"مصادرنا تؤكد…"

وهو لا يملك من الحقيقة إلا ما يملكه دخان السجائر من نقاء.

ابتسم إبليس وقال:

“ما أجمل أن يخدع الإنسانُ الإنسان… دون مساعدتي!”

▪︎ المشهد الثاني: النشرة التي تُنبت الحقد

يُغيّرون ترتيب الأخبار لا بحسب أهميتها، بل بحسب كمية الغضب التي ستشتعل في الصدور بعدها.

خبرٌ عن خيانة،

خبرٌ عن جريمة،

خبرٌ عن انهيار،

ثم تعليقٌ يقول:

“إلى أين يذهب المجتمع؟”

وكان إبليس يجلس خلف الشاشة يصفّق.

لم يعد يحتاج أن يوسوس لكل فرد على حدة؛

القناة تفعل ذلك نيابة عنه… مرة واحدة لخمسة ملايين إنسان.

▪︎ المشهد الثالث: برامج الترفيه… حين يضحك الإنسان على سقوطه

لم يكن الشيطان يكره الضحك، لا…

هو فقط يعشق الضحك الذي يذبح الحياء.

حين يرى برنامجًا يستهزئ بالدين باسم “الكوميديا”،

أو يعرض مشاهد مبتذلة باسم “الفن”،

أو يقلب الخيانة إلى قصة رومانسية،

كان يتنهد بسعادة ويقول:

“هذا ما لم أستطع فعله في مئة عام… وفعله الإعلام في ساعة!”

▪︎ المشهد الرابع: منصّات الأخبار السريعة… حيث الكذب أسرع من الضوء

لم يعد إبليس ينتظر الصحف،

فاليوم لديه مكان أفضل:

الترند.

يكفي أن يتسرّب خبرٌ كاذب،

فتقع آلاف القلوب في شباكه قبل أن يصل أول تصحيح.

“إشاعة صغيرة”،

“كلمة ناقصة”،

“عنوان صادم بلا مضمون”،

وإذا بالناس يكرهون، يتّهمون، يسبّون،

وهو يجلس مرتاحًا… يشرب قهوته ويقول:

“كل هذا من منشور واحد؟ رائع!”

▪︎ المشهد الخامس: حين صار بعض الإعلام عباءة للشيطان

لم يعد يحتاج أن يظهر في صورة شرّير،

بل في هيئة محلل سياسي،

أو نقدي،

أو فاشينيستا،

أو مؤثر اجتماعي.

يُقنع الناس أن القبح طبيعي،

أن الحرام “وجهة نظر”،

أن الفاحشة “حرية شخصية”،

أن الفتنة “رأي”.

حتى أصبحت بعض الشاشات مدرسة تُعلّم الانحراف،

وتُنمّق الباطل كأنه حقّ.

▪︎ المشهد الأخير: صوت الحق

وفي وسط هذا الضجيج،

كان هناك صوت خافت…

صوت فقير، متواضع، بلا كاميرا ولا منتج ولا إعلانات:

صوت الحق.

يقول:

“ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد.”

ويُذكّر:

“إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا.”

ويهمس:

“لا تتبعوا خطوات الشيطان.”

خطوات… أصبحت اليوم موجات بثّ،

وشاشات،

وأخبارًا…

لكن أثرها هو هو.

▪︎ النهاية:

إبليس لا يملك قناة،

ولا جريدة،

ولا منصة…

لكنه يملك شيئًا أخطر:

القلوب الغافلة.

فإذا انتبهت، فسدّ الأبواب كلها دفعة واحدة.

وإذا غفلت…

فالبرنامج مستمر،

والبثّ مباشر،

والشيطان… سعيد جدًّا.

الفصل الحادى  عشر

«صوِّر أولًا… ثم فكّر لاحقًا»

(حين صار التصوير فريضة، والإنقاذ خيارًا مؤجَّلًا)

لم أكن أحتاج إلى هذا القدر من الذكاء،

أنتم من فعلتم.

قديمًا، حين كان يسقط إنسان في الطريق،

كان أول ما يُفكَّر فيه:

— هل هو حي؟

— من ينقذه؟

أما اليوم…

فالسؤال تغيّر:

— حد شغّل الكاميرا؟

أقف وسط الحوادث،

لا أمد يدي،

ولا أوسوس،

ولا أحرّض.

أكتفي بالمشاهدة.

إنسان ينزف؟

صوّر.

امرأة تُهان؟

صوّر.

طفل يبكي؟

اقترب… وركّز.

صرخات؟

ارفع الصوت، المشاهدات تحب الدراما.

لم أعد أحتاج أن أعلّمكم القسوة،

أنتم طوّرتموها.

صارت باردة، أنيقة، بدقة عالية.

يا لهذا العصر!

عصر العدسة قبل الضمير.

كنتُ قديمًا أُغري بالفرار من المسؤولية،

أما الآن فقد صرتم تهربون منها باسم “التوثيق”.

تقولون:

“نصوّر عشان نفضح”

“نصوّر عشان الحق”

“نصوّر عشان الدنيا تشوف”

ولا أحد يسأل:

— ومَن يُنقذ؟

أعترف لكم بشيء:

أنا لم أخترع هذه الفكرة.

أنا فقط صفّقت لها.

📸 الترند… هذا الإله الجديد

أجمل ما فيكم،

أنكم لا تفعلون الشيء لأنه صواب،

بل لأنه قابل للانتشار.

صار السؤال:

“هيجيب لايكات؟”

لا

“هل هو إنساني؟”

صار العار مادة،

والفضيحة سلعة،

والخصوصية نكتة قديمة.

تسابق محموم:

من ينشر أولًا؟

من يسبق؟

من يخطف المشهد؟

حتى لو كان الثمن إنسانًا مكسورًا.

🕯️ ريهام عبد الغفور… مثال لا حادثة

وحين تعرّضت ريهام عبد الغفور للإيذاء بصورة يجب محاكمة مصورها  وناشرها ،

لم يسأل كثيرون:

— لماذا هذا القبح؟

— لماذا هذا الفعل المشين؟

بل سألوا:

— فين الفيديو؟

— فين الصور؟

— مين صوّر؟

تحوّل الألم إلى محتوى،

والإهانة إلى مادة نقاش،

والإنسان إلى “ترند”.

لم يكن الأمر عنها وحدها،

بل عن كل إنسان أصبح مستباحًا

لأن الكاميرا كانت قريبة.

أنا لم أطلب منكم أن تسخروا،

أنتم فعلتم.

ولم أطلب منكم أن تُعيدوا النشر،

أنتم تسابقتم.

🎥 حين صار التصوير جريمة بلا عقوبة

تعرفون ما الذي يُدهشني؟

أن من يُصوِّر

لا يشعر بالذنب.

بل يشعر بالفخر.

“أنا كنت هناك”

“أنا وثّقت”

“الفيديو بتاعي جاب مشاهدات”

أما الذي كان ينزف؟

فذلك تفصيل ممل.

لقد أقنعتم أنفسكم أنكم شهود،

بينما أنتم متفرجون.

والفرق بين الشاهد والمتفرج

هو الفرق بين إنسان

وظلّ إنسان.

⚠️ أنا إبليس… وأخاف من شيء واحد هنا

أخاف من الشخص الذي

يُسقط الهاتف

ويرفع المصاب.

من الذي يقول:

“اقفل… وبعدين صوّر لو لزم الأمر.”

من الذي يفهم أن

الستر أحيانًا أقدس من الفضح،

وأن إنقاذ روح

أهم من ألف مشاركة.

هذا الإنسان يُربكني.

لأنه كسر القاعدة الجديدة.

قاعدة:

صوّر… ثم انسَ.

🎙️ صوت الحق:

**«ليست كل حقيقة تُنشر،

ولا كل فضيحة رسالة،

ولا كل كاميرا عينًا للعدل.

من أنقذ إنسانًا

فقد سبق كل ترند،

ومن ستر عيبًا

فقد غلب الشيطان قبل أن يبدأ.»**

«حين تلبس الدولُ القويّة قفّازات القانون… وتضرب»

(اعترافات إبليس في زمن الحروب النظيفة)

كنتُ قديمًا أحتاج إلى جيوشٍ من الشياطين

لأُشعل حربًا بين قبيلتين.

اليوم؟

تتولى الدول العظمى المهمة عني…

ببدلات أنيقة، وخطابات ناعمة، وبياناتٍ تبدأ بكلمة:

«من أجل الديمقراطية».

آه… كم تغيّر العالم!

لم تعد الحرب صراخًا وسيوفًا،

بل مؤتمرات صحفية،

وعقوبات اقتصادية،

وتقارير حقوق إنسان تُكتب بيدٍ

وتُمحى باليد الأخرى.

أنا إبليس،

وأشهد أنكم صرتم أبرع مني في القتل بلا دم.

🌍 بلطجة العصر الحديث

في الماضي،

كان القوي يعلن الحرب صراحة.

أما اليوم،

فهو لا يحارب…

هو “يتدخل”.

لا يحتل…

هو “يحمي”.

لا يخطف…

هو “يؤمّن”.

كلمات نظيفة

لأفعال قذرة.

الدول القوية لا تسأل:

— هل أنت بريء؟

بل تسأل:

— هل أنت مفيد؟

فإن لم تكن…

أصبحتَ خطرًا على السلام العالمي.

🇻🇪 فنزويلا… حين يُعاد تعريف السيادة

خذوا فنزويلا مثالًا،

لا كدولة،

بل كدرس.

دولة ضعيفة،

ثروة تُغري،

رئيسٌ يُزعج.

وفجأة…

تتحوّل السيادة إلى ملف،

والرئيس إلى “مشكلة”،

والشعب إلى رقمٍ في تقرير.

تسمعون عناوين مثل:

“عزلة سياسية”

“ضغوط دولية”

“شرعية محل نزاع”

ثم تسمعون همسًا،

لا يُكتب رسميًا،

لكن الكل يفهمه:

الرئيس لم يعد آمنًا… حتى خارج بلاده.

أنا لا أقول خُطف.

أنا أقول:

أُخرج من المشهد.

وهذه الكلمة أخطر.

💣 الحرب دون إعلان

أجمل ما في حروب هذا العصر

أنها لا تُسمّى حروبًا.

الطائرات لا تُسمّى قاذفات،

بل “أدوات ردع”.

الجوع لا يُسمّى حصارًا،

بل “عقوبات ذكية”.

يموت الأطفال؟

خطأ غير مقصود.

تنهار الدول؟

أضرار جانبية.

أما الشركات…

فتنجو دائمًا.

🕴️ أنا إبليس… وتلميذي اسمه السياسة

أعترف بشيء يجرح كبريائي:

أنا تعلّمت منكم.

تعلّمت كيف تُدمَّر دولة

وأنت تبتسم أمام الكاميرا.

كيف تُشعل حربًا

وأنت تتحدث عن السلام.

كيف تُسقط حاكمًا

وأنت تتغنى بحق الشعوب في الاختيار.

أنتم لا تحتاجون شيطانًا بعد الآن،

لأنكم جعلتم المصلحة إلهًا،

والقوة شريعة،

والضعف جريمة.

⚖️ القانون… حين يخدم الأقوى فقط

القانون الدولي؟

جميل…

إن كنت قويًا.

حقوق الإنسان؟

مقدسة…

إن لم تُعارض مصالحك.

أما إن كنت دولة فقيرة،

ضعيفة،

تملك ما لا يجب أن تملكه…

فالقانون يُطوى،

والحقوق تُؤجَّل،

والأخلاق تُشحن على أول طائرة.

🕯️ ما الذي يُخيفني في كل هذا؟

ليس القصف.

ولا الدم.

ما يُخيفني حقًا

هو وعي الشعوب.

أن يفهم الناس أن الحرب ليست دائمًا دفاعًا،

وأن الديمقراطية لا تأتي على جناح صاروخ،

وأن الكرامة لا تُصدَّر.

إن فهموا هذا…

سقط نصف عملي.

🎙️ صوت الحق:

**«ويلٌ لقوةٍ بلا عدل،

وويلٌ لعدلٍ بلا رحمة.

لا تُقاس الدول بحجم جيوشها،

بل بقدرتها على ألا تظلم حين تقدر.

ومن ظنّ أن البطش يدوم،

نسي أن التاريخ لا ينسى،

وأن الله لا يغفل.»**



«خبرٌ صغير… وفسادٌ كبير»

(كيف تصنع الإشاعة فضيحة، ويصنع الفضول كارثة)

لم أعد أحتاج أن أفتح أبواب الشرّ بقوة.

يكفيني أن أتركها مواربة.

خبرٌ صغير،

سطرٌ في أسفل شاشة،

عنوانٌ غامض:

“برنامج يصنع صورًا محرّمة”…

ولا أحتاج أن أقول أكثر.

أنا إبليس،

وأعرف أن الفضول أقوى من أي وسوسة.

🧠 العقل لا يحبّ الغموض

حين يسمع الإنسان شيئًا خطيرًا،

لا يفكّر:

— هل أبتعد؟

بل يسأل:

— كيف؟

وهنا أبتسم.

لو لم يُنشر الخبر،

لبقي الشرّ محبوسًا في زاوية مظلمة.

لكن حين يخرج إلى العلن،

حتى لو في إطار تحذير،

فإنه ينتشر كعدوى.

واحد يسمع،

عشرة يبحثون،

مئة يجرّبون،

وألف يسقطون.

ثم تقولون:

“إحنا حذرنا!”

وأنا أقول:

أنتم دللتم.

🔥 الإعلان المجاني للشر

أجمل ما في هذا العصر

أنكم تمنحون الشرّ

أفضل حملة تسويق مجانية.

تقولون:

“احذروا هذا التطبيق”

“كارثة أخلاقية جديدة”

“فضيحة رقمية تهز المجتمع”

وتنسون أن كل عنوان

هو سهم يقود الفضوليين مباشرة إلى الباب.

أنتم لا تُطفئون الحريق،

أنتم تشيرون إليه وتقولون:

“انظروا هناك!”

ثم تتعجبون لماذا يحترق البيت.

🧩 التقليد… هذا المرض الجماعي

ما إن يعرف الناس بوجود شيء خطير،

حتى يريدوا تجربته،

لا لأنهم سيئون،

بل لأنهم بشر.

واحد يقول:

“أنا بس بشوف.”

والثاني:

“أنا أجرب من غير ما أعمل حاجة.”

والثالث:

“أنا مش زيهم.”

ثم يسقطون جميعًا.

وأنا لا أتدخل.

أنا فقط أعدّ.

🕳️ حين يكون الصمت أرحم

كم من فتنة

كانت ستموت لو لم تُذكر.

وكم من فكرة فاسدة

كانت ستختفي لو لم تُنشر.

لكنكم تعيشون في عصر

يخاف من الصمت

أكثر مما يخاف من الانحراف.

تظنون أن كل كشفٍ وعي،

وكل فضيحة حماية،

وكل نشر مسؤولية.

وأنا أعلم أن بعض الأشياء

إن عُرفت…

انتشرت،

وإن انتشرت…

أفسدت.

🕯️ ما الذي يغيظني؟

أن بعضكم بدأ يفهم.

بدأ يدرك أن

ليس كل شيء يُقال،

وليس كل شرّ يُعلن،

وليس كل خبرٍ يُعاد نشره.

هذا الإنسان الذي

يختار أن يصمت

حتى لا يدلّ غيره على باب الفتنة…

هذا يُربكني.

لأنه أغلق عليّ بابًا

كنت أفتحه بعناوينكم.

🎙️ صوت الحق:

**«ليس كل تحذير هداية،

ولا كل كشف إصلاح.

بعض الشرور

تُهزم حين لا تُعلن،

وتموت حين لا تُشار إليها.

فاحفظوا عقول الناس

قبل أن تحفظوا عناوين الأخبار.»


«حين صار كلُّ شيءٍ نكتة»

(اعترافات إبليس في زمن الضحك بلا هيبة)

كنتُ قديمًا أُغوي الناس بالمعصية،

أما اليوم فأغويهم بالضحك.

نعم… الضحك.

لا ذنب واضح،

لا خطيئة صريحة،

فقط قلوب فقدت قدرتها على التوقير.

😄 الضحك… حين ينقلب من نعمة إلى سلاح

الله خلق الضحك رحمةً،

راحةً بعد تعب،

نورًا بعد ضيق.

أما أنتم…

فحوّلتموه إلى مطرقة.

تضحكون على الفقير،

على العاجز،

على المتدين،

على الملتزم،

على المصيبة،

حتى على الموت.

كل شيء عندكم “محتوى”.

وأنا؟

أقف في الخلف… أصفّق.

📱 مصانع السخرية

لم أعد أحتاج أن أُفسد الأخلاق،

يكفيني أن أُسقط الهيبة.

حين يسقط الاحترام من القلوب،

تسقط الحدود وحدها.

تصوّرون المواقف المؤلمة،

تحوّلون الخطأ إلى ترند،

تصنعون مقاطع تسخر من كل قيمة…

ثم تقولون:

“ده هزار!”

آه…

لو تعلمون كم أحب هذه الكلمة.

“هزار” تمحو الذنب،

“هزار” تُبرر الوقاحة،

“هزار” تقتل الحياء دون دم.

🧠 السخرية تقتل الإحساس

حين تضحك على كل شيء،

لا يعود هناك شيءٌ عظيم.

لا دين له قداسة،

لا كبير له احترام،

لا خطأ له وزن.

كل شيء مادة للضحك…

حتى الألم.

وهنا أنجح أنا.

فالقلوب التي لا تتأثر،

لا تتوب.

🎭 الضحك كقناع للفراغ

أنتم لا تضحكون لأنكم سعداء،

بل لأنكم تهربون.

الهزار المستمر

هو محاولة للهروب من سؤال واحد مخيف:

"أنا رايح فين؟"

فتملأون حياتكم بالمقاطع،

بالنكات،

بالميمز،

حتى لا تسمعوا صوت ضمائركم.

🕯️ ما الذي يُزعجني؟

أن هناك من ما زال يبكي من خشية الله.

من يرى المصيبة فيسكت،

يرى الكبير فيوقّر،

يسمع الآية فيخشع.

هؤلاء يُفسدون عليّ خطتي.

لأن القلب الذي يعرف متى يضحك

يعرف متى يخاف.

🎙️ صوت الحق:

**«ليس الضحك خطيئة،

لكن القلوب التي لا تعرف إلا الضحك… تموت.

من فقد الهيبة، فقد الطريق.

ومن استهان بكل شيء،

استُهين به يوم الحساب.

اضحكوا… لكن لا تسخروا،

وافرحوا… لكن لا تستخفّوا.

فالقلوب خُلقت لتعظّم قبل أن تبتسم.»








تعليقات

المشاركات الشائعة