محسن الورداني يكتب الدولة العربية.. بين جلد الذات وتعقيد الواقع
الدولة العربية.. بين جلد الذات وتعقيد الواقع
يثير مقال الكاتب عبدالله عبدالسلام المعنون «الدولة العربية.. شاهد ما شفش حاجة» قضية مهمة تتعلق بدور الدولة العربية فى ظل الصراعات الإقليمية، خصوصًا المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. غير أن الطرح الذى قدمه المقال بدا أقرب إلى جلد الذات العربية وتعميم صورة العجز، أكثر من كونه قراءة متوازنة لواقع شديد التعقيد.
لا يمكن إنكار أن العالم العربى يعانى أزمات مزمنة فى مجالات التنمية والاقتصاد والحريات، كما أن منظومة العمل العربى المشترك، وفى مقدمتها جامعة الدول العربية، تحتاج بلا شك إلى مراجعة جادة وإصلاح حقيقى. لكن القفز من هذه الحقائق إلى استنتاج أن «الدولة العربية» أصبحت مجرد كيان عاجز يقف موقف المتفرج، فيه قدر كبير من التبسيط وربما الظلم للواقع.
فالمنطقة العربية ليست مجرد ساحة صراع محلى، بل هى إحدى أكثر مناطق العالم تشابكًا فى المصالح الدولية. القوى الكبرى – الولايات المتحدة وروسيا والصين – والقوى الإقليمية مثل إيران وتركيا وإسرائيل، كلها تتقاطع مصالحها على هذه الجغرافيا الحساسة. وفى مثل هذا المشهد المعقد، تصبح حركة الدول العربية محكومة بحسابات دقيقة تتعلق بأمنها القومى واستقرارها الداخلى قبل أى شىء آخر.
إن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب أو إطلاق التصريحات الصاخبة، بل بقدرتها أيضًا على حماية شعوبها من الانزلاق إلى صراعات كبرى قد تدفع ثمنها أجيال كاملة. وفى كثير من الأحيان، يكون تجنب التورط المباشر فى حرب إقليمية واسعة نوعًا من الحكمة السياسية وليس علامة ضعف أو استسلام.
كما أن الحديث عن «الدولة العربية» بصيغة المفرد يتجاهل حقيقة أن العالم العربى ليس كتلة واحدة متشابهة. فهناك تجارب متفاوتة فى التنمية والإدارة السياسية وبناء المؤسسات. بعض الدول نجح فى تحقيق قدر من الاستقرار والتنمية رغم بيئة إقليمية مضطربة، بينما تعانى دول أخرى من أزمات تاريخية مركبة.
أما جامعة الدول العربية، فضعفها ليس سرًا، لكنه أيضًا ليس ظاهرة عربية خالصة. فالنظام الدولى المعاصر قائم أساسًا على سيادة الدول الوطنية وتغليب المصالح القومية، حتى داخل التكتلات الإقليمية الكبرى. الاتحاد الأوروبى نفسه – وهو أكثر النماذج تكاملًا – يشهد انقسامات حادة بين أعضائه فى القضايا الكبرى، من الحرب فى أوكرانيا إلى قضايا الطاقة والهجرة.
إن نقد الواقع العربى ضرورة لا خلاف عليها، لكن هذا النقد يفقد قيمته حين يتحول إلى صورة قاتمة تختزل كل شىء فى الفشل والعجز. فالمطلوب ليس فقط تشخيص الأزمة، بل أيضًا فهم سياقها الدولى والإقليمى، والعمل على تطوير أدوات العمل العربى المشترك بدل الاكتفاء بإعلان وفاته.
الدولة العربية ليست مثالية، لكنها أيضًا ليست ذلك الكيان العاجز الذى يكتفى بدور «المشاهد». الواقع أكثر تعقيدًا من هذا التوصيف، والتاريخ لا يُكتب بلغة التعميمات السهلة، بل بفهم توازنات القوة ومحدودية الخيارات فى عالم شديد الاضطراب
مقال
عبد الله عبد السلام : الدولة العربية.. «شاهد ما شفش حاجة»!
almasryalyoum.com/news/details/4219252


تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك فى موضوعاتنا .