يهود ايران والصراع الإيراني الأسرائيلي بقلم محسن الورداني
في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران وإسرائيل، يبرز تساؤل جوهري حول وضع واحدة من أقدم الجاليات اليهودية في الشرق الأوسط. فبينما تتبادل الدولتان الضربات الصاروخية، تعيش الجالية اليهودية في إيران وضعاً استثنائياً يمزج بين الولاء الوطني الإيراني، والضغوط السياسية الدولية، والرمزية الدينية التي تُستخدم في صراع النفوذ الإقليمي.
أولاً: ديموغرافيا الجالية (أرقام وحقائق 2026)
تشير أحدث التقديرات لعام 2026 إلى أن عدد اليهود في إيران يتراوح ما بين 8,500 إلى 10,000 نسمة. وعلى الرغم من الانخفاض الحاد مقارنة بما قبل عام 1979 (حيث كان العدد يقارب 100 ألف)، إلا أنهم ما زالوا يمثلون أكبر تجمع يهودي في المنطقة خارج إسرائيل.
التركز الجغرافي: يعيش أغلبهم في طهران، مع وجود مجتمعات تاريخية في شيراز وأصفهان.
التمثيل السياسي: يحتفظون بمقعد دائم في البرلمان الإيراني (المجلس)، يشغله حالياً "همايون سامية نجف آبادي"، الذي غالباً ما يظهر في المحافل الدولية للتأكيد على الفصل بين "اليهودية" كدين و"الصهيونية" كحركة سياسية.
ثانياً: تأثير الجالية على الصراع (تكتيكات الضغط والمناورة)
لا يمكن النظر إلى جالية يهود إيران كلاعب عسكري، لكن تأثيرهم يظهر في ثلاثة أبعاد استراتيجية:
1. سلاح "الدعاية المضادة" (Soft Power)
تستخدم طهران وجود الجالية اليهودية لإثبات "تسامحها الديني" وتفنيد الاتهامات الغربية بمعاداة السامية. في المقابل، تُجبر الجالية غالباً على إصدار بيانات تندد بالسياسات الإسرائيلية (كما حدث في "حرب الاثني عشر يوماً" عام 2025 وعملية "زئير الأسد" في فبراير 2026)، مما يضع إسرائيل في موقف حرج أخلاقياً ودبلوماسياً عند استهداف العمق الإيراني.
2. "خطوط حمراء" غير معلنة في الاستهداف
رغم شدة الضربات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت منشآت نووية وقادة في الحرس الثوري، لوحظ وجود "حذر استراتيجي" في تجنب المناطق ذات الكثافة السكانية اليهودية أو المعالم الدينية التاريخية في أصفهان وهمدان. أي مساس بهذه المواقع قد يتحول إلى كارثة علاقات عامة عالمية لإسرائيل، ويُستخدم كذريعة لإيران لتشديد القبض على الأقلية اليهودية.
3. الجسر البشري المقطوع
تضم إسرائيل مئات الآلاف من اليهود من أصول إيرانية. هذا "الرابط العاطفي" يمثل ضغطاً داخلياً في إسرائيل؛ فالعائلات تخشى على أقاربها في الداخل الإيراني من أي ردود فعل انتقامية قد تطالهم نتيجة التصعيد العسكري، مما يجعل ملف الجالية ورقة ضغط صامتة في يد النظام الإيراني.
ثالثاً: تحديات الوجود في ظل "حرب 2026"
مع اندلاع "عملية زئير الأسد" (Operation Roaring Lion) في فبراير 2026 والضربات المشتركة الأمريكية الإسرائيلية، واجهت الجالية تحديات غير مسبوقة:
الولاء المزدوج: يُطلب من اليهود الإيرانيين باستمرار إثبات وطنيتهم عبر التبرع للمجهود الحربي أو المشاركة في مسيرات "يوم القدس".
القيود الأمنية: تزايدت الرقابة على الاتصالات مع الأقارب في الخارج خوفاً من تهم "التجسس"، وهو ما يزيد من عزلة الجالية.


تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك فى موضوعاتنا .