شهادة المرأة بين النص والفهم.. هل حقًا هي نصف شهادة الرجل بقلم محسن الورداني

 


شهادة المرأة بين النص والفهم.. هل حقًا هي نصف شهادة الرجل؟




أثار تصريح الإعلامي محمد الباز حول مسألة شهادة المرأة، وتساؤله عن سبب كون شهادتها نصف شهادة الرجل، جدلًا متكررًا يعود للواجهة بين الحين والآخر. وهي قضية كثيرًا ما تُطرح خارج سياقها الكامل، فيتحول النقاش من فهم النص إلى التشكيك في عدالة التشريع.

أول ما يجب توضيحه أن القول بأن شهادة المرأة في الإسلام نصف شهادة الرجل ليس قاعدة عامة في كل الشهادات كما يظن البعض، بل ورد هذا الحكم في حالة محددة جدًا تتعلق بالمعاملات المالية، وذلك في قول الله تعالى في سورة البقرة:

"واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان...".

وهنا يتحدث النص عن توثيق الديون والمعاملات المالية، وهي أمور كانت في المجتمع القديم مرتبطة غالبًا بالرجال بحكم طبيعة الحياة الاقتصادية آنذاك، حيث كان الرجل هو الأكثر تعاملًا في الأسواق والتجارة. فجاء التشريع ليضمن دقة الشهادة في هذا المجال، لا ليقلل من قيمة المرأة أو عقلها.

والدليل على أن المسألة ليست انتقاصًا من المرأة أن شهادة المرأة في كثير من القضايا تُقبل منفردة، بل وتُقدَّم أحيانًا على شهادة الرجل، خاصة في الأمور التي تختص بها النساء مثل قضايا الولادة والرضاعة وبعض مسائل الأحوال الشخصية. كما أن هناك حالات في القضاء الإسلامي تقبل فيها شهادة امرأة واحدة أو مجموعة من النساء دون وجود رجل.

إذن فالمسألة ليست قضية تفاضل في القيمة الإنسانية أو العقلية، بل تنظيم قانوني مرتبط بطبيعة القضية محل الشهادة. فالإسلام عندما قرر الأحكام لم ينطلق من شعار المساواة الشكلية، بل من تحقيق العدالة وضمان الحقوق، وهو فارق جوهري بين المفهومين.

كما أن الحديث عن المساواة في الإسلام يجب أن يُفهم في إطاره الصحيح؛ فالإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في الكرامة الإنسانية، وفي التكليف الديني، وفي الجزاء والثواب، وفي كثير من الحقوق والواجبات. يقول الله تعالى: "من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة".

ومن هنا فإن اختزال قضية معقدة مثل التشريع الإسلامي في جملة مقتطعة قد يخلق انطباعات غير دقيقة. فالأحكام الشرعية منظومة متكاملة، تقوم على الحكمة والمقاصد والظروف الاجتماعية، وليس على المقارنات المجتزأة.

وفي النهاية، يبقى النقاش العلمي الهادئ هو الطريق الأفضل لفهم النصوص الدينية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو محاولات قراءة التشريع بمنطق الشعارات الحديثة فقط. فبين المساواة والعدالة مساحة واسعة تحتاج إلى فهم عميق، لا إلى عبارات عابرة في برنامج تلفزيوني.

تعليقات

المشاركات الشائعة