الساعة الاخيرة
الساعة الأخيرة
قصة قصيرة – محسن سمير
في زقاقٍ قديم من أزقّة القاهرة، بين الأزقة التي يتكئ فيها الزمن على الجدران، كان يقع محل صغير للساعات. لوحة خشبية تتدلى فوق الباب مكتوبٌ عليها بخطٍ يدوي:
"عم شكري – إصلاح وبيع الساعات منذ 1965"
كان عم شكري رجلاً طاعنًا في السبعين، ظهره منحنٍ من ثقل الأيام، لكنه يمشي بثبات وكأنه يسير على عقارب ساعة. عيناه رماديتان كأنهما شاهَدَتا كل ما يمكن أن يُرى، وصوته دائمًا منخفض كوشوشة عقرب الدقائق.
كان يعيش وحيدًا منذ سنين، لا زوجة، لا أولاد، لا زيارات. فقط هو والساعات. وكل ساعة في محله كانت تحكي حكاية. الأرفف كانت ممتلئة بساعات من كل العصور، بعضها لا يعمل، وبعضها يدق بنغماتٍ مختلفة، وبعضها لا يدق أبدًا، لكنها موجودة... تراقب.
أما الساعة الأغرب، فكانت تلك المعلّقة فوق الرف الرئيسي. ساعة خشبية ضخمة، بنقوش دقيقة وأرقام رومانية. لا تعمل، لا تُسمَع منها دقّة، ومع ذلك، كانت أكثر ساعة يحدّق فيها عم شكري كل يوم.
سأله الكثيرون عنها، فكان يبتسم ويقول:
"دي مش للبيع... دي بتعدّ لي أنا."
لم يفهم أحد، لكنّ الصمت كان جزءًا من طقوس هذا الرجل.
في أحد الأيام، دخل ولدٌ صغير المحل. وجهه نحيل، ملابسه مرقعة، ويداه متسختان بزيت العجل. كان اسمه كريم، يعمل صبيًّا عند ميكانيكيٍّ في آخر الشارع. ومنذ فترة، بدأ يمرّ على عم شكري بعد شغله يساعده، وينضف له، ويتعلم منه.
كان كريم يحب الجلوس وسط الساعات. يشعر وكأن الزمن متوقف في المحل، وكأن العالم برّه لا يخصهم.
في أحد الأيام، قال:
"يا عم شكري، ليه ما بتصلّحش الساعة الكبيرة اللي فوق؟"
رفع العجوز عينيه وبصله، وقال بهدوء:
"هي شغّالة... بس على وقتي أنا."
ضحك كريم، لكنه شعر أن الإجابة مش دعابة.
بدأ يلاحظ إن عم شكري بيكتب تواريخ في دفتر صغير، يرسم رموزاً، ويقرأ من كتاب جلده مهترئ. وكان يراجع الساعة الخشبية كل ليلة كأنها مرآة روحه.
وفي ليلة ماطرة، بعد ما قفل المحل، قال العجوز لكريم:
"لو الساعة دي وقفت... ما ترجعش هنا تاني."
ضحك كريم وقال:
"ليه؟ هتسافر ولا إيه؟"
ابتسم عم شكري ابتسامة ما فيهاش فرح، وسحب الستارة على وجهه.
وفي اليوم التالي، الساعة 8 الصبح، مرّ كريم كالعادة على المحل، لكن الباب كان مواربًا، والضوء مطفأ. دخل بحذر، نادى:
"يا عم شكري؟"
مافيش رد.
وبص لفوق… الساعة كانت واقفة. العقارب توقفت على 11:47 مساءً.
على الطاولة، كان الدفتر مفتوحًا، مكتوب عليه بخط متعب:
"عند التمام... ستصمت الساعة، ويبدأ الصمت الآخر."
نادى كريم الجيران، دخلوا المحل، لقوا عم شكري قاعد على الكرسي، عيونه مغمّضة، ووشه مرتاح كأنه نايم… لكنه ماكانش نايم.
الإسعاف قالت إنها سكتة قلبية.
لكن كريم كان حاسس بحاجة أعمق.
الجنازة كانت بسيطة، ما حضرش فيها إلا أهل الشارع، وكريم. مفيش حد من العيلة، مفيش وصية، مفيش حتى صورة قديمة.
بعد الدفن، رجع كريم للمحل. قعد قدام الساعة الخشبية، يراقبها.
وفجأة...
"تكة."
العقارب اتحركت.
بس الساعة ما رجعتش للوراء، ولا كملت من 11:47.
ظهر تاريخ جديد على شاشة رقمية صغيرة ما كانش لاحظها قبل كده:
22-05-2087
اتسحب كريم للخلف.
ثم ظهر سطر آخر:
"الوقت المتبقي: 72 سنة و3 ساعات و14 دقيقة."
كان واضح إن الساعة بدأت تعدّ… لكريم.
مرت الأيام، وبقى كريم ييجي كل يوم. فتح المحل، وكمّل تصليح الساعات زي ما عم شكري كان بيعلّمه.
لكنه ما قالش لحد عن الساعة.
فضل يراقبها.
وبدأ يلاحظ إنها بتتغير.
في كل يوم عيد ميلاد له، أو يوم حزين، أو قرار مهم... كانت العقارب تتحرك أسرع أو أبطأ. كأنها بتستجيب لمشاعره، أو لأفعاله.
وفي يوم، لما دخل المحل حزين بعد خناقة مع والدته، لقى العداد قلّ:
"الوقت المتبقي: 69 سنة و11 شهر."
خاف.
رجع تاني يوم يعتذر لمامته. وبعدها بيومين، رجع يلاقي العداد زاد دقيقة.
فهم إن الساعة دي مش بس بتقيس الزمن… دي بتقيسه هو.
بتقيس أفعاله، قلبه، نواياه.
وكان دايمًا يرجع للدفتر. وفي الصفحة الأخيرة، سطر مكتوب:
"من رأى زمنه، أُعطي فرصته."
---
خاتمة
كبر كريم، وبقى هو عم كريم. وفضل في المحل، وساعات كتير الناس كانت بتسأله:
"هي الساعة دي فوق شغالة؟"
وكان بيرد بنفس ابتسامة عم شكري:
"دي مش للبيع… دي بتعدّ لي أنا."
لكن ولا حد كان يعرف، إن الساعة لسه بتتكلم… بس بلغة ما بيفهمهاش إلا اللي الزمن اختاره.
انتهت
.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك فى موضوعاتنا .