كوب شاي على الرصيف بقلم محسن سمير


 



 "كوب شاي على الرصيف"




في شارع صغير متفرع من "باب الشعرية"، كان فيه كشك خشب قديم، صاحبه راجل في الخمسينات اسمه "عم حسن". الناس كلها تعرفه، مش بس عشان الشاي اللي بيعمله، لكن عشان ابتسامته اللي بتفضل ثابتة، حتى في عز البرد.


"سحر" بنت في آخر العشرينات، بتيجي كل يوم الساعة 7:45 الصبح، توقف قدام الكشك، تطلب "شاي بلبن قليل السكر"، وتشكره بصوت خافت وتمشي.

مشكلتها مش في الشاي... ولا حتى في عم حسن. مشكلتها في اليوم اللي مات فيه أبوها، وهي في أولى جامعة، بعد ما شرب آخر كوب شاي من إيده.


من وقتها وهي بتدوّر على نفس الطعم... نفس الريحة... نفس الأمان اللي كان بيحضنها وهي قاعدة جنبه على البلاط.


ومرة، سألت عم حسن وهي بتاخد الكوباية:

– "حضرتك بتغلي الشاي مرتين؟"

– "أنا؟ لا يا بنتي، دي طريقته واحدة من 30 سنة."

سكتت لحظة، وقالت:

– "بس طعمه... زي شاي بابا."


عم حسن بص لها... ووشه اتحول من الابتسامة للسكوت.

سألها:

– "هو كان اسمه إيه؟"

– "مصطفى... مصطفى عبده. كان عنده مكتبة في نفس الشارع هنا زمان."

وشه اتغير أكتر.

– "كنتي بتجي معاه؟"

– "كنت صغيرة... بس فاكرة كل حاجة."

– "أنا... أنا كنت صاحبه."




في نفس اليوم، ما مشيتش سحر. قعدت على الكرسي البلاستيك اللي جمب الكشك، وعم حسن قعد قدامها.

قالها:

– "أبوك كان بيحب الشاي باللبن وأنا اللي علمته يعمله."

ضحكت، وبصت في الكوباية:

– "يبقى أنت المسؤول عن كل ده؟"


حكى لها عن أيام ما كان هو ومصطفى بيقعدوا على الرصيف، يحكوا عن الحياة والبنات والحرب والأحلام.

قالها:

– "كان عنده حلم يعلّمك كويس. كان بيقول إنك لازم تكبري تبقي أحسن منه."

– "كان دايمًا بيقولي كده... بس ما كملش معايا."


عم حسن تنهد، وقال بهدوء:

– "كان نفسه يشوفك عروسة."

– "أنا كمان... كنت نفسي أوريه فستاني."

– "إنتي لسه صغيرة، ولسه الأيام جاية."

– "أنا مخطوبة فعلاً... بس مش عارفة ليه كل ما ببص على فستاني بحس إنه ناقص."


سكتوا. والشاي بيفتر.




بقت تيجي كل يوم تقعد معاه نص ساعة. تتكلم أو تسكت. المهم إنها تحس إن في حاجة من ريحة أبوها رجعت.

وفي يوم، جابت معاه صورة قديمة.

– "دي صورة بابا... ودي حضرتك؟"

ضحك، وقال:

– "كان شعري واقف كده؟!"

ضحكت، وقالت:

– "بس كنتوا مبسوطين."

– "كنا فقراء... بس كان عندنا وقت."


وبدأت تحكي له عن خطيبها، وشغلها، والمشاكل الصغيرة اللي بتخنقها.

وكان دايمًا يسمع، من غير ما يحكم، من غير ما يقول "كان لازم"، ولا "ماينفعش".

بس في مرة، لما قالت له إنها مش مبسوطة، قال جملة بسيطة:


– "لو الشاي ما بيدفيش، ما تجبريش نفسك تشربيه."




بعد شهور من الجلوس، جه اليوم اللي ما جتش فيه.

عم حسن قعد يضبط الكوباية في نفس المعاد، وحطها على الرصيف... واستناها.

ومجتش.

ولا اليوم اللي بعده.

ولا اللي بعده.


في اليوم الرابع، لقى واحد بيقوله:

– "أنت عم حسن؟ في واحدة سايبة لك جواب هنا."

فتح الجواب... وكان بخط سحر:


"عم حسن،

أنا مشيت.

فسخت خطوبتي.

مكنتش مرتاحة، ولا حاسة إن دي حياتي.

وأنا ماشية، لقيت نفسي فاكرة كلامك عن الشاي اللي ما بيدفيش.

كنت محتاجة أسمعه عشان أصدق إحساسي.

أنا مسافرة أبدأ من أول وجديد.

بس عمري ما هنسى إن في راجل قعد على الرصيف وسمعني كأني بنته.

شكراً على الطمأنينة اللي نسيت شكلها.

سحر."



مرت سنتين.


وفي صباح رمضاني دافئ، وقفت بنت قدام الكشك. عم حسن كان شعره أبيض أكتر، ونضارته أكبر، لكنه لمحها فورًا.


سحر، لابسة طرحه خفيفة، ماسكة طفل صغير في إيدها.


ابتسمت، وقالت:

– "أنا علمته يشرب شاي باللبن... قليل السكر."


ابتسم عم حسن، وجاب لها نفس الكوباية القديمة.

قعدوا على الرصيف، الطفل قاعد في حضنها، وهي بتشرب.

وبينما الشمس بتطلع على الشارع القديم،

قالت له:


– "أنا أخيرًا لقيت طعم الشاي اللي كان ناقص."





تعليقات

المشاركات الشائعة