الامازيج وهل هم صناعة الاستعمار؟
الأمازيغ: هل هم صناعة الاستعمار؟
عبر القرون، بقي الأمازيغ — أو كما يُعرفون أحيانًا بالبربر — شعبًا ضاربًا في جذور شمال إفريقيا، منذ ما قبل الفتح الإسلامي بقرون طويلة. ولكن مع بروز النزاعات القومية في العصر الحديث، طُرحت أسئلة شائكة: هل الهوية الأمازيغية كما نعرفها اليوم هي امتداد طبيعي للتاريخ؟ أم أنها، جزئيًا، صناعة الاستعمار الأوروبي الذي حاول أن يفتت وحدة شعوب المنطقة لضمان السيطرة عليها؟
لنفكك هذا السؤال.
الأمازيغ في التاريخ: شعب عريق قبل الاستعمار
قبل أن تطأ جيوش فرنسا شواطئ الجزائر عام 1830، كان الأمازيغ مكونًا أساسيًا في النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة. قادوا دولاً كبرى مثل دولة المرابطين والموحدين والمرينيين، وبرز منهم قادة عظام كـ طارق بن زياد ويوسف بن تاشفين. لم يكن هناك صراع جوهري بين الأمازيغ والعرب المسلمين، بل تزاوجت القبائل، وتشابكت المصالح، وانصهرت الهويات في بوتقة واحدة اسمها «المغرب الإسلامي».
الاستعمار الفرنسي: اللعب على وتر «العرق» و«اللغة»
عندما دخل الفرنسيون إلى شمال إفريقيا، أدركوا سريعًا أن وحدة المسلمين هناك — عربًا وأمازيغًا — تمثل عائقًا أمام خططهم. فبدأوا بسياسة «التمييز العرقي»، مدعين أن الأمازيغ أقرب إلى الأوروبيين من العرب "الصحراويين".
صدر الظهير البربري في المغرب عام 1930، كمثال فاضح على هذه السياسة؛ حيث حاولت فرنسا أن تفصل الأمازيغ قانونيًا عن العرب، وتطبق عليهم قوانين عرفية بدل الشريعة الإسلامية. هذا الحدث فجّر موجة غضب واسعة، وأسهم في تعميق الوعي القومي المشترك بين العرب والأمازيغ، بدلًا من تفتيتهم.
الهوية الأمازيغية الحديثة: بين الحق والتوظيف السياسي
اليوم، ومع صعود الحركات الأمازيغية في الجزائر والمغرب، يطرح البعض السؤال: هل هذه الحركات هي امتداد للسياسات الاستعمارية القديمة، أم أنها تعبير شرعي عن هوية تاريخية مضطهدة؟
الحقيقة أكثر تعقيدًا. فالأمازيغية تعرضت فعلًا للتهميش اللغوي والثقافي بعد الاستقلال، تحت شعار «التعريب» وبناء الدولة الوطنية. وفي المقابل، استثمرت بعض القوى الداخلية والخارجية (بما فيها فرنسا وأطراف غربية) في تغذية النزعات الانفصالية داخل الحركات الأمازيغية، مستغلة المظالم الحقيقية، لخدمة أجندات لا علاقة لها بالحقوق الثقافية.
أمثلة معاصرة: حين تتداخل الحقوق مع الأجندات
في الجزائر، شهدنا خلال الحراك الشعبي (2019) رفع الراية الأمازيغية جنبًا إلى جنب مع العلم الوطني، في رسالة وحدة. لكن في المقابل، لاحظنا كيف تحركت بعض الأصوات الإعلامية الغربية لتضخيم الفجوة، متحدثة عن «شعبين متصارعين» في الجزائر: الأمازيغ والعرب.
أما في المغرب، وبعد الاعتراف الرسمي بالأمازيغية كلغة وطنية عام 2011، بدأ مشروع إحياء الحروف تيفيناغ، وهو أمر إيجابي ثقافيًا، لكنه أحيانًا يُستخدم من قبل تيارات ذات صلات خارجية لدفع خطاب قطيعة مع الجذور الإسلامية والعربية، في محاولة لإعادة رسم هوية مغاربية «منزوعة» من بعدها الإسلامي المشترك.
إذن، هل الأمازيغ صناعة الاستعمار؟
الجواب العادل: الأمازيغ كشعب وثقافة ليسوا صناعة أحد، بل هم أهل الأرض منذ آلاف السنين. لكن، لا يمكن إنكار أن الاستعمار حاول استغلال هويتهم لإضعاف وحدة المسلمين وفشل . ويبقى التحدي اليوم هو الفصل بين الحقوق الثقافية المشروعة، وبين محاولات إعادة إنتاج منطق «فرق تسد» بأقنعة جديدة.
خاتمة: من يربح ومن يخسر؟
الحقيقة المؤلمة أن كلما انفصل الأمازيغ عن عمقهم الحضاري الإسلامي، وكلما قُدمت هويتهم كأداة صراع لا كجسر تواصل، يربح الاستعمار الجديد — بأسمائه المختلفة — بينما يخسر الشعب. يخسر حين يتحول من أمة موحدة قادت حضارات، إلى فسيفساء متناحرة على الألقاب والأعراق واللهجات.
الأمازيغي والعربي، في عمق التاريخ، لم يكونا خصمين، بل كانا سيفين في يد واحدة. وما يريده العدو، قديمًا وحديثًا، هو أن ينسى كل واحد منهما هذا الدرس.
فالحذر، كل الحذر، من أن نكون نحن اليوم من ينجز للغزاة ما عجزوا عن فرضه بالحديد والنار.


تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك فى موضوعاتنا .