الحلم
الحلم
أول يوم دخلت فيه الجيش كنت حاسس إني واقف على بداية طريق جديد، طريق فيه تعب، بس فيه كرامة.
كنت مبسوط... مبسوط إني بقيت في مكان بيخليني أحس إني بعمل حاجة ليها قيمة، حاجة لبلدي.
من أول طابور الصبح، لصوت النشيد اللي بيرجّع صدى الأرض... كنت واقف وصدري مرفوع، حتى وأنا لسه مش عارف هقضي خدمتي فين ولا إزاي.
عدّت أول أسبوعين بسرعة، جوّ البيت كان لسه وحشني، بس كل يوم كنت بحس إني باتغيّر، رجلي بتثبت أكتر، ونفسيتي بتقوى.
وفي ليلة باردة شوية، وأنا نايم على سريري الحديد وسط أصوات التنفس والنوم التقيل حوالي، شُفتها.
كانت واقفة تحت نور شمس خفيف، لابسة فستان بسيط، عينيها سُمر وفيهم نظرة مألوفة، كأنها عارفة كل حاجة عني من زمان.
ما اتكلمتش، بس كانت مبتسمة.
صحت الصبح وأنا حاسس براحة غريبة، كأني شوفت حاجة بتطمن قلبي.
في نفس اليوم، جالي خبر إن تم اختياري في مكان خفيف نسبيًا، وقريب من بيتنا.
ما كنتش مصدق.
ضحكت بيني وبين نفسي وقلت: "يمكن الحلم ده كان بشارة خير."
الليلة اللي بعدها، حلمت بيها تاني.
المرة دي، كانت قاعدة جنبي، على رملة بحر، ما اتكلمناش، بس حسيت بصوتها جواي، بيقول: "استنى، الخير جاي."
صحيت لاقيت الظابط بيقول اسمي: "يا جندي، في مكافأة ليك عشان التزامك."
ما كنتش مستنيها، بس فرحت بيها.
من وقتها، بقيت أستناها كل ليلة.
كل ما تيجي في الحلم، يصحى يلاقيني رايق، وييجي خير.
مرة خبر من البيت يفرح، مرة ضابط يمدحني قدام الناس، مرة راحة ماكنتش متوقعة، مرة ربنا يرزقني بواحد في الكتيبة يساعدني في موقف صعب.
الجميل إن وجودي في الجيش كان بقى مرتبط بيها، من غير ما أعرف اسمها، من غير ما أكون شُفتها قبل كده.
كنت بدعيلها كل يوم، حتى وأنا مش عارف هي مين.
خلصت خدمتي، بعد سنة وشهور.
خرجت إنسان تاني.
راجل يعرف يعني إيه صبر، ونعمة، وبلد، وأخ.
بس الحلم... وقف.
من يوم ما لبست هدومي المدنية، ما جتش تاني.
كنت كل فترة أفكر فيها، وأقول: "يا ترى كانت مين؟ يمكن ملاك؟ يمكن حلم نفسي؟ يمكن بنت في الحقيقة ولسه ما شوفتهاش؟"
عدت السنين.
اتجوزت، اشتغلت، خلفت، ودخلت في دوامة الحياة.
وأوقات، وأنا سايق أو قاعد لوحدي، كانت صورتها تطلع في بالي... وساعات كنت أحس إني لسه مستنيها.
وفي يوم، بعد أكتر من ٢٠ سنة، كنت في معرض كتاب.
كنت رايح مع ابني، وبدور على كتاب معين.
لفيت ولفيت... ولما رفعت عيني، شُفتها.
كانت واقفة قدام رف الروايات، لابسة لبس بسيط، وشعرها زي ما هو، والنظرة في عنيها... هي هي.
قلبي وقف.
مشيت ناحيتها ببطء، وكأن الزمن رجع بيا للميدان، للسرير الحديد، للليالي اللي كنت بستناها فيها.
بصّت لي، واتجمّدت لحظة.
وبعدين قالت بصوت مبحوح:
– "إنت؟..."
ما قدرتش أتكلم، غير وأنا بضحك بدمعة في عيني:
– "أنا... إنتي اللي كنتي بتيجي لي في الحلم؟"
– "وأنا كنت بحلم بيك طول عمري..."
قعدنا على جنب، اتكلمنا، عرفنا إن كل واحد فينا كان بيشوف التاني وهو نايم، من غير ما نعرف بعض.
وفي عزّ اللحظة اللي كنت حاسس فيها إن الدنيا كلها بترجع تستقر،
قالتلي:
– "أنا متجوزة... وعندي بنت."
بصيت في الأرض، وقلت:
– "وأنا برضه... عندي ولدين."
سكتنا.
مافيش حاجة نقدر نعملها، ولا نلوم بيها الزمن.
قامت تمشي، وأنا مشيت في الاتجاه التاني، لكن قلبي كان بيبكي.
وأنا خارج، سمعت صوتها ورايا بتقول:
– "الحلم كان حقيقي... بس الحقيقة مش دايمًا بتسمح له يكمل."
ومشيت.
وسبت قلبي في المعرض.
من يومها، ما شوفتهاش تاني، لا في الحقيقة... ولا في الحلم.
بس كل ما كنت أبص لوش ابني وهو نايم، وأشوف فيه ملامحها، كنت أعرف إن ربنا خلى كل شيء يمشي لحكمة...
وإن في ناس بنقابلهم عشان نعرف قيمة ما لم نأخذه... مش بس ما فقدناه.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك فى موضوعاتنا .