(( محض انهزامي والقراءات الثلاث )) الناقد الشاعر / هاني عقيل
(( محض انهزامي والقراءات الثلاث ))
قراءة نقدية لقصيدة ( محض انهزامي )
للشاعرة السورية القديرة ( فيروز مخول )
------------------------------------------------------------ الناقد الشاعر / هاني عقيل
لابد من تعريض انفسنا للمؤلف الادبي والبحث عن تأثيره فينا وهذا اساس كل
نقد ولكن الذوق اذا كان وسيلة للادراك فانه ليس وسيلة للمعرفة فالذوق عنصر
شخصي والمعرفة ملك شائع والملكة التي يستحيل بها الذوق الى معرفة هي ملكة
التفكير * فالتفكير يدعم الذوق وينقله من خاص الي عام *
وعلى الرغم من تعدد مناهج النقد الادبي فأن النقاد منذ ارسطو وحتى الان يختلفون كثيرا في معنى النقد
تارة هو فن التمييز بين الاساليب
تارة هو الكشف عن ميزات الاعمال الادبية وعيوبها
وتارة هو فن دراسة النصوص الادبية وتقويمها
وتبعا لذلك على الناقد ان يقرأ مابين السطور فيسأل عن مغزى الصورة ودلالة
الصوت واللون والايقاع والحركة وسر بناء المفردة وقد تكون الاسئلة واحدة في
كل عصر ولكن الاختلاف هو في الاجابة عليها تبعا لفلسفة وثقافة الناقد
وعصره او اهتمامه بجانب واحد من جوانب العمل العمل الادبي دون سواه
لذا ارتأيت ان يكون لي اسلوبي الخاص في نقد قصيدة النثر
وهو اسلوب يتناول العمل الادبي ككل وتفكيك النص ودراسته وبعد ذلك جمعه مرة
اخرى واستقراء محتواه بعمق مع وضع اسس ومرتكزات قصيدة النثر والتي من
خلالها يتم تقويم النص الادبي والسبب يكمن في ان الكثير من النصوص الشعرية
لشعراء كبار يتم فيها مزج قصيدة النثر مع التفعيلة وهو جنس ادبي هجين
لايمكن عده قصيدة نثر ولا قصيدة تفعيلة لذا ومن خلال قرائتي للعديد من
الشعراء نوهت على مرتكزات قصيدة النثر المعاصرة لتأخذ القراءة بعدا علميا
اكثر منه ذوقيا لتعم الفائدة للجميع * نقادا وشعراء
وهنا سوف نتناول نص شعري ثري ( بمحض انهزامي ) وهي قصيدة للشاعرة السورية القديرة ( فيروز مخول )
النص
-------
--------
تحضر تعاويذ المساء
تفلت زمام الروح
تذبل أهداب الانفاس
صراع مرير
بين الحنجرة والصوت
يتشظى قحط الاحلام
يعطر الخلايا بالوجع
يخدش مخزون المرايا
يزلزل ماتبقى من أضلع الاماني
-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
موت مبهم
يحتل جسد القصيدة
مراسم دفن
صراخ لايُسمع
الكفن توقعات الحروف
الوداع محتشم
العزاء يقبل
بروح الشاعر
-*-*-*-*-*-*-*-*--*-*
باقة بمحض انهزامي
الى اخر حرف
فمن يشتري
فساتين كلماتي
عطر مدادي
حلم دفاتري
كمن يراهن
على احتباس الماء
وامتلاك
مفاتيح الشمس
-----------------------------------------------------------------------------------------*-*
(القراءة الاولى )
--------------
بمحض انهزامي صرخات لقصيدة ومخاض لحروف وعزاء لروح شاعر حيث كل مساء تحضر
تعاويذها وتفلت زمام الروح لولادة جديدة ولكن سرعان ما تذبل أهداب الانفاس
فما الانفاس سوى عين مفتوحة ذابلة حقا انه صراع مرير يأخذ مداه لوجع بين
الحنجرة والصوت وهو هنا صدى صرخات القصيدة ومخاض الحروف تتشظى فيه الاحلام
حيث ينزاح فب مدياتها الحلم قطرة واحدة تتلاشى في قفار الروح وتهب الوجع
حيث الذاكرة المتخدشة في افق المرايا يهاجسها زلزال يجدث ماتبقى من اضلع
الاماني
وتسترسل القديرة فيروز مخول
لتخوض بنا موتا مبهما يحتل جسد
القصيدة حيث عوالمها المبهمة فلا نجد الا صراخا مكبوتا لمراسيم دفن الحروف
فشاعرتنا القديرة اختارت ان يكون الوداع محتشماً
ليقبل العزاء بروح الشاعر *
لامناص من الانهزام لابل هو من محض انهزامها الى اخر حرف في القصيدة التي
البست كلماتها فساتين لسهرة الوداع فهي تفتح متجرا من لمن يشتري فساتين
الكلمات وعطر المداد وحلم الدافتر وكل مافيه يحاكي لمن يراهن على احتباس
الماء وامتلاك مفاتيح الشمس*
---------------------------------------------------------------------------------------------
( القراءة الثانية )
1- كان لمدخل القصيدة اثرا بالغاً في استكناه مرمى الشاعرة القديرة اذما
اضفنا اليه عنوان القصيدة ( بمحض انهزامي ) وتحضير تعاويذ المساء فلا يمكن
ان نغفل روعة الترابط الزمكاني والثيمة الرائعة وانزياح الموروث الخارق في
استخدام قوى السحر في قداس الانهزام في عوالم القصيدة
تحضر تعاويذ المساء
تفلت زمام الروح
تذبل اهداب الانفاس
صراع مرير
بين الحنجرة والصوت
بتشظى قحط الاحلام
2_بنيت القصيدة على ثلاث مقاطع حيث لاتقاطع بكتلة معلومة مسبقا لدى الشاعرة
وبذا هي اوحت لنا بوحدة القصيدة وترابط عوالمها حيث نشهد صعودا تراتيبيا في خط الشروع لمكونات القصيدة بدون ان نرى هبوطا
صراع مرير
موت مبهم
صراخ يسمع
امتلاك مفاتيح الشمس
3_اللاغرضية / سمة بارزة من سمات قصيدة النثر وهي هنا تتجلى بابهى صورها لدى شاعرتنا القديرة فيروز مخول ونجد ذلك في
صراع مرير
وايضا صراخ لايسمع
وتمضي لتقول / حلم دفاتري / لمن يراهن على احتباس الماء / وامتلاك مفاتيح الشمس
ورغم لك طغت وحدة الموضوع على مناخ القصيدة وبشكل جميل
وانك لتجد مناخا واحدا للقصيدة
( تذبل اهداب الانفاس )
( صراع مرير )
( يتشظى قحط الاحلام )
( يزلزل ما تبقى من اضلع الاماني )
( الكفن توقعات الحروف )
( العزاء يقبل )
كلها مناخ واحد وعلى وتيرة واحدة ونفس واحد لله دركِ من شاعرة
4_ خرجت القصيدة من كونها شظية فلسفية ونلاحظ ذلك من خلال نظام القصيدة
الداخلي / والكثافة النوعية / وهي خالية من اي تلميح شخصي سوى القصيدة فهي
قائمة بذاتها
5_ استخدمت الشاعرة عنصر الاستقطاب وبشكل موحي في قولها
- تفلت زمام الروح
-تذبل اهداب الانفاس
- مراسم الدفن
- العزاء يقبل
- من يشتري فساتين كلماتي
- امتلاك مفاتيح الشمس
6_الانزياح اللغوي الرائع وولادة رؤى لغوية ودلالية جديدة للمفردات وتراكيبها حيث اتسمت بالحداثة وبشكل فريد
- صراع بين الحنجرة والصوت
- صراخ لايسمع
- الكفن توقعات الحروف
-العزاء يقبل بروح الشاعر
- فساتين كلماتي
- عطر المداد
- مفاتيح الشمس
7_ لم ترسم الشاعرة القديرة اية حدود لقصيدتها ( بمحض انهزامي )
فهي عوالم مفتوحة على وجعٍ لاحدود له بل هي ابعد من ذلك هي مراهنة كبيرة على امتلاك مفاتيح الشمس
-------------------------------------------------------------------------------------------------
( القراءة الثالثة )
1_ استخدمت الشاعرة الموروث في فك خواص التأمل وبأسلوب منفرد بقولها
- تحضر تعاويذ المساء
- مراسم الدفن
- الكفن توقعات الحروف
2- استخدمت الشاعرة البعد الزمني حيث وقع اختيارها على استمرارية الانهزام وذلك في استخدامها للفعل المضارع في قولها
-( تحضر تعاويذ المساء )
-( تفلت ومام الروح )
- تذبل اهداب الانفاس )
-( يتشظى قحط الاخلام )
-( يعطر الخلايا الوجع )
-(يزلزل ماتبقى )
3_ استخدمت الشاعرة البعد الحركي فهي قصيدة يتصاعد فيها مناخا خاصا على وتيرة واحدة ونجد ذلك في مفردات مثل
( تحضر / تذبل / يعطر / يتشضى / يزلزل )
4- استخدمت الشاعرة البعد اللوني في
( لون المساء / لون المرايا وانعكاساتها / الكفن واللون الابيض / الماء وانعكاس شتى الالوان به / لون الشمس )
*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-**-*-*-*-*-*-*-*-*-*
( الخلاصة )
تصنف قصيدة ( محض انهزامي ) من نوع الاعمال الادبية المتميزة التي تندرج
تحت عنوان الفن للفن او الادب للادب فهي تصف حالة شعورية خاصة لمخاض الحروف
لدى الشاعر وليس سواه وكتبت بلغة شعرية مكثفة فيها انزياح حدثاوي وفك
لرموز التامل من خلال خيط رفيع وضفت فيه الموروث المرجعي لدى الشاعرة وبرز
فيها المناخ النسوي وخبايا المرأة من ( مرايا / فساتين / تعاويذ / عطر )
من بين خبايا محض الانهزام برزت لنا فارسة الحروف كأي فارسٍ من العصر
الوسيط وزمن الفروسية وهي تراهن على احتباس الماء وامتلاك مفاتيح الشمس *
شكري وتقديري لقصيدة ( محض انهزامي )
شكري وتقديري للشاعرة السورية القديرة فيروز مخول
------------------------------------------------- الناقد الشاعر / هاني عقيل
--------( 16 / 8 / 2015



تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك فى موضوعاتنا .