الزرّ الأحمر قصة قصيرة بقلم محسن سمير
الزرّ الأحمر
في مدينةٍ هادئة تُدعى "نوريل"، اكتشف طفلٌ يُدعى سامي صندوقًا قديمًا في علّية منزل جده. لم يكن الصندوق كبيرًا، لكنه كان مغلقًا بقفل صدئ ومكتوب عليه: "لا تفتحه إلا إذا لم يبقَ شيء تخسره".
فضول سامي تغلّب على تحذيرات الجد، فبحث حتى وجد مفتاحًا في جيب معطفٍ قديم. فتح الصندوق فوجد بداخله زرًا أحمر وحيدًا، يتوهّج بخفوت، وبجانبه ورقة تقول:
"اضغط الزر، وستحصل على ما تشاء، لكن هناك ثمن... لا تعرفه إلا بعد الضغط."
سامي، بعقله الطفولي، تمنّى أن يكون أطول، فضغط الزر. في لحظة، شعر جسده يتمدد، وأصبح أطول من جميع أقرانه في المدرسة. لكنه سرعان ما اكتشف أن صوته لم يعد مسموعًا للآخرين، وكأن وجوده أصبح ضبابيًا.
أدرك أن الثمن هو فقدان صوته – لا أحد يسمعه الآن، مهما حاول.
حاول إعادة الأمور كما كانت، لكن الزر لم يعمل مرةً أخرى.
بعد سنوات، نُقل الزر من جيلٍ إلى جيل، كل من ضغطه حصل على ما يريد... وخسر شيئًا لم يتوقّعه.
حتى جاء اليوم الذي ضاق فيه أحدهم بالحياة، وكان مستعدًا "ألا يخسر شيئًا" لأنه يظن أنه خسر كل شيء، فضغط الزر.
واختفت المدينة كلها.
ممتاز! نكمّل من اللحظة اللي "اختفت فيها المدينة كلها":
استيقظ سامي، الآن رجل في منتصف العمر، على هدوءٍ غريب. لا أصوات سيارات، لا طيور، لا بشر. خرج من بيته فلم يجد شيئًا... لا بيوت، لا شوارع، لا مدينة.
مجرد فراغ أبيض يمتد إلى ما لا نهاية.
كان يقف وحده، والزر الأحمر في يده.
مرت دقائق… ثم ساعات… لا زمن هنا، فقط الصمت.
وفجأة، ظهر أمامه شخصٌ لم يره من قبل. رجل طويل، ملامحه ضبابية، كأنه مصنوع من دخان.
قال الرجل:
"أهلاً بك في حدود الرغبة. أنت من سمح بزوال كل شيء."
سامي: "أنا؟ لكني لم أضغط الزر هذه المرة!"
الرجل: "لكنك أول من فعّل اللعبة. الزر يتغذى على الرغبات. وكل مرة يُستخدم، يضعف الحاجز بين الواقع والمجهول. حتى أُزيل تمامًا."
سامي: "هل هذا يعني أن... المدينة اختفت للأبد؟"
الرجل: "المدينة... تحوّلت إلى فكرة. كل من فيها صار ذكرى عالقة داخل الزر. الآن لديك خيار أخير."
ظهر أمام سامي زران:
زر أزرق مكتوب عليه: "أعد كل شيء كما كان، لكن انسَ من أنت."
زر أسود مكتوب عليه: "احتفظ بوعيك، وابدأ عالمًا جديدًا... وحدك."
سامي وقف طويلاً، ينظر إلى الزرين.
وفجأة...
سامي مدّ يده ببطء نحو الزر الأزرق. قلبه كان يصرخ بالحنين... لمدينته، لأصدقائه، لعائلته التي ابتلعتها الرغبات.
ضغط الزر.
انفجار من الضوء غمر كل شيء. شعر كأنه يسقط، ثم يرتفع، ثم يتلاشى... وأخيرًا، استيقظ.
كان طفلًا من جديد، في منزل جده، والعلّية مغلقة.
لكنه لم يكن سامي الذي نعرفه. لم يكن يذكر من هو، أو ماذا حدث. فقط إحساس داخلي غامض بأن عليه ألا يقترب من ذلك الصندوق.
مرت سنوات، كبر من جديد، دون أن يتذكر شيئًا من حياته الأولى. لكن في أعماقه، كان يتجنّب الرغبة الزائدة. لا يطلب أكثر مما يحتاج. لا يلهث خلف كل شيء.
وفي ليلة هادئة، بينما كان يقرأ في غرفة مظلمة، سمع صوته الداخلي يقول:
"الرغبة دون وعي... تدمر كل شيء."
---
ملاحظة على الزر الأسود:
في عالمٍ موازٍ، نسخة أخرى من سامي اختارت الزر الأسود. فُتح أمامه عالمٌ فارغ، لكنه قابل للخلق. بدأ يبني من خياله: مدنًا، ناسًا، موسيقى، سماء، حتى شمسًا.
لكنه ظل وحيدًا.
وحين سُئل ذات مرة:
"هل ندمت؟"
قال:
"أحيانًا... لكن على الأقل، تعلمت ألّا أضغط أي زر قبل أن أعرف الثمن."

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك فى موضوعاتنا .