مدينة الذاكرة
في زمن لا يحكمه التاريخ، وفي مكان لا تلتقطه الأقمار، كانت هناك مدينة تُدعى "نِسمارا".
مدينة ناعسة تحت سماء باهتة، بيوتها من حجر رمادي، وشوارعها نظيفة أكثر مما يجب، وسكانها يبتسمون دون سبب. لا أحد هناك يتذكر من أين أتى، ولا حتى اسمه الحقيقي. الكل يعيش كأن الحياة بدأت منذ استيقظوا هناك… فقط هناك.
القانون الوحيد في نِسمارا مكتوب على لوح حجري عند بوابة المدينة:
"ممنوع أن تسأل عن ماضيك… لأن الحقيقة تقتل."
الاستيقاظ
استفاق آدم على سرير حجري داخل غرفة ضيقة، لا يتذكر كيف وصل. لا أسماء، لا وجوه مألوفة، لا صوت داخلي يرشده… فقط اسمه محفور على قطعة خشب فوق السرير: "آدم."
فتح الباب فوجد امرأة في منتصف العمر تبتسم له:
– "أهلًا بك في نِسمارا."
– "من أنتِ؟"
– "لا يهم. نحن هنا الآن، والماضي لا يعود."
بئر الذكرى
في وسط المدينة ساحة واسعة، وفي قلبها بئر قديم يُسمّى "بئر الذكرى".
الناس يقفون في صف طويل كل صباح، كل واحد يقترب من البئر، يغمض عينيه، والبئر يهمس له بمشهدٍ من ماضيه… لا أكثر.
أحيانًا تكون ذكرى سعيدة، وأحيانًا مؤلمة… لكن لا أحد يفهم الصورة الكاملة أبدًا.
حين اقترب آدم، خفق قلبه بشدّة. وعندما وضع يده على حافة البئر، لم يرَ نفسه طفلاً أو عاشقًا أو حالمًا…
بل رأى مدينة تشتعل.
صرخات، ولهيب، وأبراج تسقط.
ثم وجهٌ باهت يحدق فيه، يقول له:
"لا تعد. أنت من بدأ النهاية."
الشك
بدأ آدم يتغير. لا يضحك مثل الآخرين، لا يرتاد المقهى الصامت، ولا يزور سوق الورق حيث يبيع الناس أوراقًا فارغة يدّعون أنها رسائل من الماضي.
بدأ يشعر أن شيئًا ما خاطئ.
في كل ليلة، يسمع صوت عقارب الساعة الضخمة في برج المدينة، تعد بالعكس…
– "ماذا يحدث حين تصل إلى الصفر؟"
سأل أحدهم.
فرد عليه العجوز الذي يبيع الحكايات مقابل نظرة حزينة:
– "حين تصل إلى الصفر، يستيقظ الحارس… أو تنهار نِسمارا."
الذاكرة الممنوعة
في أحد الأنفاق المهجورة، وجد آدم غرفة مغلقة، وبداخلها مرآة مغطاة بقماش. عندما نزع الغطاء، لم يرَ انعكاسه…
بل رأى شخصًا آخر، بعينين كالجمر، يتحدث إليه:
"لقد طلبتَ أن تنسى… لأنك لو تذكرت، لن تتحمّل."
"لكن المدينة تحتاجك… العدّ التنازلي أوشك على الانتهاء."
فهم آدم الحقيقة.
هو لم يكن ضحية.
ولم يكن سجينًا مثل الباقين.
الحقيقة
آدم كان الحارس.
الذي بُرمج على أن ينسى دوره كل مئة عام، حتى لا يصاب بالجنون.
نِسمارا لم تكن مدينة للمنسيين… بل كانت سجنًا للعقول التي هربت من جرائمها، وغرقت في النسيان اختيارًا.
ومع وصول الساعة إلى الصفر…
انشقّت الأرض في وسط المدينة، وخرج ضوء أزرق عملاق، وبدأت الذاكرة تعود لكل من فيها…
وصرخ الناس، سقطوا، وانهار بعضهم.
أما آدم… فوقف في المنتصف، مبتسمًا، فقد عاد له كل شيء.
وأعاد إغلاق البوابة.
النهاية… أو البداية الجديدة؟
في اليوم التالي، استيقظ شاب جديد على سرير حجري، وعُلّقت لافتة خشبية فوق رأسه…
كتب عليها اسم جديد.
مرحبًا بك في نِسمارا.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك فى موضوعاتنا .