ابن قحافة بطنطا "الشيخ محمد المرسي غرابة" : إمام الأزهر الذي علّم الشعراوي
ابن قحافة بطنطا "الشيخ محمد المرسي غرابة" : إمام الأزهر الذي علّم الشعراوي
حين تلد الأرض رجالها
في طيات الريف المصري، حيث العيون لا تُغمض عن الزرع ولا تنحرف عن الله، يولد الفجر من أفواه الأذان ويغتسل النهار في آيات القرآن. هناك، في قرية "قحافة" الوديعة التابعة لمدينة طنطا، كانت مصر على موعد مع ميلاد رجل من رجالها الذين لا يتكررون كثيرًا: الشيخ محمد المرسي غرابة الشافعي، أحد الأئمة الذين خلدهم التاريخ بين دفاتر الأزهر الشريف، لا بشهاداته فقط، بل بعلمه الذي تناثر كحَبٍّ مبارك في صدور التلاميذ، وبزهده، وصرامة فكره، وحنو قلبه.
وُلِد في الخامس من ديسمبر عام 1882م، ولم يكن يوم ميلاده سوى إشارة خفية إلى رجل سيظل أثره طويلاً في الأزهر والعلماء وطلاب العلم، حتى بعد وفاته بسنوات.
صبي في حضرة القرآن
منذ نعومة أظفاره، دُفع محمد المرسي إلى الكُتَّاب، حيث كان القرآن أول معلم، وأول رفيق، وأول وطن. لم يكن الغلام كغيره من الصبية، بل كان يلتهم الآيات كما لو أنها خبزه اليومي، يتلوها بصوت يختلط فيه الحياء بالخشوع، والحفظ بالإدراك.
في بيت ريفي بسيط، نشأ على طاعة الوالدين، وعلى نداء الفجر، وعلى أحاديث العلماء الذين كانوا يمرّون بقريته بين الحين والآخر، فيتوقف عندهم ويجلس كمن يجلس أمام طُهرٍ نازل من السماء.
ولما أتمّ حفظ القرآن، كانت الخطوة التالية طبيعية: الأزهر الشريف. وجهته الوحيدة، ومقصده الحتمي.
في رحاب الأزهر الشريف
دخل الأزهر، ذلك الحصن المنيع الذي لا يفتح أبوابه إلا لمن له قلب نابض بالعلم، فوجد فيه ضالته. لم يكن شيخنا طالبًا عاديًا، بل كان ذا ذكاء حدسي، يفهم قبل أن يُسأل، ويحفظ قبل أن يُملى عليه، ويطلب العلم طلب العاشق للعشيقة.
وفي أروقة الأزهر العتيقة، جلس بين يدي كبار العلماء، فنهل من علوم الفقه واللغة والمنطق والتفسير، حتى إذا ما بلغ من العلم مبلغًا رفيعًا، نال شهادة العالمية عام 1908م، وهي الشهادة التي كانت آنذاك تُعد من أعلى درجات التخصص الشرعي في الشرق الإسلامي.
ما إن حصل على الشهادة حتى أُذن له بالتدريس، فتغير مكانه في الحلقة: من مستمعٍ إلى محدّث، من متعلمٍ إلى معلِّم.
بين طنطا والقاهرة.. معراج المعلم
بدأ رحلته في التدريس من حيث بدأ حياته: معهد طنطا، عام 1922م. لم يكن الشيخ معلمًا يُملي دروسه فحسب، بل كان يربّي، يوجّه، وينقش في العقول أخلاق العلماء، لا معلومات الكتب فقط.
ثم جاء العام 1930، وهو عام مفصلي في مسيرته، إذ انتقل إلى كلية الشريعة عند إنشاء الجامعة الأزهرية، فكان من أوائل من وضعوا لبناتها الأولى، بعلمٍ أصيل وروحٍ متجددة.
وفي عام 1935، أجمع مجلس الأزهر الأعلى على ترقيته إلى الدرجة الأولى، وهي رتبة لا ينالها إلا من شرب من معين الأزهر حتى ارتوى، ثم أروى غيره.
وفي عام 1942م، قرر الملك فاروق الأول، بأمر ملكي، تعيينه عضوًا في هيئة كبار العلماء، ذلك المحفل العلمي النادر، الذي لا يُقبل فيه إلا من بلغ ذروة الذرى في الفهم والتقوى.
هيئة كبار العلماء.. المقام الرفيع
كان انضمام الشيخ محمد المرسي غرابة إلى هيئة كبار العلماء تتويجًا لمسيرة ناصعة لا تشوبها شائبة. فالهيئة، التي تأسست لتكون كعبة الفكر الشرعي ومرجعية العلم الديني الأرفع في الأزهر، لم تكن تمنح عضويتها جزافًا، بل كانت تختار رجالها بميزان الذهب.
وقد دخلها الشيخ وهو يحمل على كتفيه وقار الأزهر، وفي قلبه همُّ الأمة، وفي عقله زادٌ من الفقه والحكمة يكفي لإضاءة عشرات العقول. وما إن استقر في مجلس الهيئة حتى غدا صوته مسموعًا، ورأيه مرجّحًا، وكلمته أشبه بتوقيع فقهي على لوح من نور.
كان يتحدث قليلًا، ولكنه إذا نطق خيّم الصمت، وإذا شرح أزال الغموض، وإذا اختلفوا رجّح الكفة بعقلية الأصولي وفراسة المؤمن.
الشعراوي تلميذًا في محراب شيخه
ربما كانت من أعظم دلائل أثر الشيخ المرسي غرابة في حياته، تلك الحكاية التي لم تروَ كثيرًا، لكنها تسطع كجوهرة في جبين تاريخه: أنه كان من أساتذة الشيخ محمد متولي الشعراوي، العالم الذي أحيا تفسير القرآن في قلوب ملايين المسلمين.
وقد اعترف الشعراوي أكثر من مرة أن لشيخه المرسي فضلًا كبيرًا في تشكيل لغته الدينية، وفي إكسابه أدب العالم، وهيبة الحضور، وميزان التفكّر. لم يكن التعليم في الأزهر آنذاك قائمًا على التلقين، بل على الصحبة، على التفاعل بين الشيخ وتلميذه، بين الفكر والروح، بين القلب والكتاب.
وقد غرس الشيخ في الشعراوي شيئًا عميقًا، لا يُقاس بالمناهج، بل يُوزن بالمقامات: مقام البصيرة.
زهد العالم.. وغنى القلب
رغم مكانته العلمية الرفيعة، لم يكن الشيخ محمد المرسي غرابة يسكن القصور ولا يركب الفاره من الدواب أو السيارات، بل ظل يعيش حياة بسيطة، متقشفة، أقرب إلى الزهد منها إلى الدنيا.
كان يلبس الثوب المتواضع، ويأكل من رزقٍ حلال لا يزدري بساطته، ويعيش بين تلامذته كواحدٍ منهم، لا يتعالى، ولا يشيح بوجهه عن فقير أو سائل أو طالب فتيا.
وقد ذُكر أنه كثيرًا ما كان يُرى في الطرقات متوجهًا إلى الأزهر سيرًا على الأقدام، حاملاً كتبه في يده، لا يتكلّف مظاهر الشيوخة، بل يجعل الوقار عنوانًا، والابتسامة مذهبًا.
الرحيل في هدوء.. والبقاء في الأثر
في فجر الخميس، الثامن من يناير عام 1948م، رحل الشيخ في صمت، كأنما أطال السجود ولم يرفع، ودُفن في قريته "قحافة"، التي احتضنته في مولده ومماته، وظلت شاهدة على رجلٍ لم يكن منها فحسب، بل كان للوطن كلّه.
لم تبكِه قرية قحافة لطنطا وحدها، بل بكى الأزهر فيه فقيهًا، وبكت مصر فيه أحد رجالها، وبكى تلامذته فيه المعلم والمربي، وبكاه العلم لأن أحد أعمدته قد انكسر، وإن بقي شامخًا في القلوب.
خاتمة: حين يُصبح العالم أُمّة
إن سيرة الشيخ محمد المرسي غرابة لا تُقرأ كما تُقرأ تواريخ المشاهير، بل تُتلى كما تُتلى قصص الأولياء: بدفء، واعتزاز، واشتياق. فقد كان رجلًا علّامًا في زمن قلّ فيه أمثاله، وعلّم رجالًا صاروا بدورهم معالم.
لم يكن مجرد فقيه، بل كان روحًا تسير على الأرض، تمشي بالعلم، وتُصلي بالناس، وتُعظّم كتاب الله، وتُوقر السنة، وتمنح من قلبها بقدر ما أخذت من خزانة الأزهر الشريف.
قد يُنسى الاسم بين كتب التاريخ، ولكن الوهج الذي أضاءه الشيخ المرسي غرابة لن يخبو، ما دام هناك من يروي سيرته، ويقرأ علمه، ويقتفي أثره في الفقه، وفي التواضع، وفي الإيمان العميق.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك فى موضوعاتنا .