حينَ كانتْ لنا حضارةْ بقلم محسن سمير... محسن الورداني

 حينَ كانتْ لنا حضارةْ..

كُنّا نُشيدُ الحرفَ معَ الفجرِ على ضوءِ المنارةْ..

نَسكُبُ العِلمَ ضياء في كؤوسِ العارفينْ..

ونُعلِّمُ الكونَ فنونَ العدلِ..

وسحرَ الخطِّ فوقَ الجِلدِ والحريرِ..

وكيفَ يصيرُ الماءُ في الكفِّ ياقوتاً..

وكيفَ يُنجبُ النورُ سطورَ المبدعينْ..


حينَ كانتْ لنا حضارةْ..

كانتْ القاهرةُ عرشاً للقصيدةِ..

والإسكندريةُ مهدَ الفقهاءِ..

وبغدادُ جنّةَ الفلاسفةِ والعُشّاقْ..

كانَ الأندلسُ وَردةً شرقيةً في حديقةِ أوروبا..

وكانتْ غرناطةُ تغسلُ ذنوبَ الأرضِ بمياهِ العِلمِ

وتُنشدُ الشعرَ فوقَ ضفافِ العُشّاقْ..


حينَ كانتْ لنا حضارةْ..

لم نكنْ نُذبحُ باسمِ اللهِ على قارعةِ الطُرُقِ..

لم يكنِ المسجدُ يرفعُ الآذانَ للدماءِ..

لم تكنْ أوطانُنا تُباعُ على موائدِ الساسةِ كالأشياءْ..

بل كُنّا مآذنَ تعلو.. ومدارسَ تشعُّ بالنورِ..

وكانَ القرآنُ وسادةَ العُشّاقِ..

وكانتْ الآيةُ مفتاحَ أبوابِ السماءْ..


فأينَ مضتْ تلكَ الحضارةُ؟

كيفَ صارَ العُلماءُ غرباءَ في ديارِهم؟

كيفَ صارَ الحرفُ سجينا..؟

وصارَ الكُتبُ نوافذَ للخوفِ؟

وصارتْ شوارعُنا تُعلِّمُنا الصمتَ.. وتَحرِقُ من يرفعُ رايةَ السؤالْ؟


يا منْ ورثتمْ مجدَ الأجدادِ..

يا منْ حملتمْ نورَ القاهرةِ في عيونِكم..

كيفَ ارتضيتمْ أنْ تخلعوا التاجَ..

وتبيعوا الحكمةَ للغرباءِ؟

كيفَ تركتُمُ الحضارةَ تُغادِرُ..

دونَ أنْ تُمسِكوا بأطرافِ عباءتِها..؟


فلا تلوموا الليلَ إذ طالَ..

ولا تلوموا البحرَ إن جفَّ..

فالحضارةُ ليستْ ذكرى..

ولكنها رجلٌ يقفُ على أقدامِه..

ويحملُ الشمسَ في يديهْ..

تعليقات

المشاركات الشائعة