حقيقة تحديد موعد رمضان بين العلم والاجتهاد الشخصي

 


حقيقة تحديد موعد رمضان بين العلم والاجتهاد الشخصي

بقلم محسن سمير... محسن الورداني


أثار الكاتب يوسف زيدان جدلًا بتصريحه الذي يشكك في الموعد المعلن لشهر رمضان، مدعيًا أن رمضان يجب أن يكون "آخر هلال في سبتمبر وهو شهر أكتوبر"، وأن من أعلن موعده الحالي يتحمل الذنب. لكن هل يستند هذا الكلام إلى أساس علمي وديني صحيح؟

كيف يُحدد موعد شهر رمضان؟

يتم تحديد بداية شهر رمضان وفقًا لمعيارين رئيسيين:

  1. الحسابات الفلكية الدقيقة: تعتمد المراصد الفلكية على معايير علمية دقيقة، مثل لحظة الاقتران المركزي (المحاق) وإمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة أو التلسكوبات. المؤسسات الفلكية العالمية، مثل معاهد الفلك والمراصد الإسلامية، تستخدم أحدث التقنيات لحساب ولادة الهلال وتحديد إمكانية رؤيته.

  2. الرؤية الشرعية: رغم التقدم الفلكي، تظل رؤية الهلال بالعين المجردة أو الوسائل المساعدة أمرًا أساسيًا في كثير من الدول الإسلامية. تُشكل لجان شرعية لرصد الهلال عند الغروب في اليوم 29 من شعبان، فإذا ثبتت رؤيته يبدأ رمضان، وإلا يُتم الشهر 30 يومًا.

هل يمكن أن يخطئ العلماء في تحديد رمضان؟

من الصعب جدًا حدوث خطأ في الحسابات الفلكية الحديثة، لأنها تعتمد على بيانات دقيقة حول مواقع القمر والشمس والأرض. وعليه، فإن التشكيك في صحة الحسابات الفلكية المعتمدة من جهات رسمية وشرعية لا يستند إلى أدلة علمية، بل هو رأي شخصي غير موثوق.

هل يتحمل أحد "ذنب" إعلان رمضان في غير وقته؟

الإعلان عن بداية رمضان يتم وفق اجتهاد العلماء واللجان الشرعية، استنادًا إلى أدق الوسائل العلمية والدينية المتاحة. لا يمكن تحميل "ذنب" لأحد طالما أن القرار صدر وفق الأصول الشرعية والعلمية المتبعة في كل عام.

لماذا قد يكون كلام زيدان غير دقيق؟

  1. لا يوجد أساس علمي أو فلكي يدعم ادعاء أن رمضان يجب أن يكون "آخر هلال في سبتمبر وهو شهر أكتوبر". الأشهر القمرية تختلف من عام إلى آخر، وقد يبدأ رمضان في مارس، إبريل، مايو، أو غيرها، بحسب التقويم الهجري.
  2. التشكيك في القرارات الشرعية والفلكية دون أدلة قوية قد يثير البلبلة بين الناس بلا داعٍ.
  3. أهل التخصص، مثل علماء الفلك والهيئات الشرعية، هم الجهة المعنية بهذا الأمر، وليس الأدباء أو المفكرون الذين لا يمتلكون خبرة فلكية متخصصة.
اما  زعم بعضهم  ان  عمر بن الخطاب رضي الله منع ثبات شهر رمضان الحقبفة انه لم يمنع ثبات شهر رمضان، بل حافظ على التقويم القمري كما هو متبع في الإسلام.

لكن ربما يكون هناك لبس بسبب أن عمر بن الخطاب هو الذي وضع التقويم الهجري، حيث لم يكن للمسلمين تأريخ محدد قبل ذلك، وكانوا يؤرخون بالأحداث المهمة. فقرر عمر، بمشاورة الصحابة، أن يبدأ التقويم الإسلامي من هجرة النبي ﷺ، ولكن ذلك لم يغيّر ثبات الشهور الهجرية، ومنها رمضان، التي تستند إلى رؤية الهلال.
النَّسِيء هو تأخير أو تبديل الأشهر الحرم، وكان من عادات العرب في الجاهلية، حيث كانوا يغيرون ترتيب الأشهر القمرية وفقًا لمصالحهم، خاصة في الأشهر الحرم (رجب، ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم) التي حرم الله فيها القتال.

كيف كان العرب يستخدمون النسيء؟

إذا احتاجوا للحرب أو التجارة في الأشهر الحرم، كانوا يؤجلون حرمة الشهر إلى شهر آخر، مما أدى إلى اضطراب في ترتيب الشهور القمرية الحقيقية.

كانوا يضيفون شهرًا أحيانًا، مما جعل عدد الأشهر يتغير ليوافق السنة الشمسية بدلاً من القمرية.

اما إلغاء النسيء في الإسلام

عندما جاء الإسلام، حرم الله النسيء في القرآن، حيث قال تعالى:
"إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" (التوبة: 37).

النبي ﷺ أعلن في حجة الوداع أن ترتيب الأشهر عاد إلى وضعه الصحيح، وقال:
"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" (رواه البخاري ومسلم).

عمر بن الخطاب رضي الله عنه شدد على التزام المسلمين بالتقويم القمري ومنع أي عودة إلى نظام النسيء، وأكد ضرورة الالتزام بالأشهر كما هي دون تغيير أو تأجيل.

النتيجة

بفضل إلغاء النسيء، ظل التقويم الإسلامي قمريًا ثابتًا، مما يحافظ على مواعيد العبادات مثل رمضان، الحج، والأشهر الحرم بدقة وفق رؤية الهلال، دون أي تلاعب أو تأجيل كما كان يحدث في الجاهلية.

الخلاصة

تحديد موعد رمضان ليس أمرًا عشوائيًا، بل يخضع لحسابات دقيقة تتكامل مع الرؤية الشرعية. التشكيك في ذلك دون أدلة علمية لا يخدم سوى نشر الجدل غير المفيد. الأفضل أن نترك الأمر للجهات المختصة التي تمتلك المعرفة والأدوات اللازمة، بدلاً من إطلاق تصريحات غير دقيقة قد تضلل الناس.

تعليقات

المشاركات الشائعة